فهرس الكتاب

الصفحة 7753 من 9994

يقول عبد الرحمن بن غنم:"كتبت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه حين صالح نصارى الشام، وشرط عليهم فيه ألا يحدثوا في مدينتهم كنيسة، ولا فيما حولها ديراً ولا قلاية، ولا صومعة راهب، ولا يجددوا ما خرب، ولا يؤوا فيها ولا في منازلهم جاسوساً، ولا يكتموا غشاً للمسلمين، ولا يضربوا بنواقيسهم إلا ضرباً خفيا في جوفها، ولا يظهروا عليها صليباً، ولا يرفعوا أصواتهم في الصلاة، ولا القراءة في كنائسهم فيما يحضره المسلمون، ولا يخرجوا صليباً ولا كتاباً في سوق المسلمين، ولا يرفعوا أصواتهم مع موتاهم، ولا يظهروا النيران معهم، ولا يبيعوا الخمور، ولا يظهروا شركاً، ولا يرغّبوا في دينهم، ولا يدعو إليه أحداً، وأن يلزموا زيّاً حيثما كانوا، ولا يتشبهوا بالمسلمين في لبسهم، ولا في مراكبهم، ولا يتكلموا بكلامهم، ولا يكتنوا بكناهم، وأن يجزوا مقادم رؤوسهم، ولا يفرقوا نواصيهم، ويشدوا الزنانير على أوساطهم، ولا يركبوا السروج، ولا يتخذوا شيئاً من السلاح، ولا يحملوه، ولا يتقلّدوا السيوف، وأن يوقروا المسلمين في مجالسهم ويرشدوهم الطريق، ويقوموا لهم عن المجالس إن أرادوا الجلوس، ولا يعلموا أولادهم القرآن، ولا يشارك أحدهم مسلماً في تجارة إلا أن يكون إلى المسلم أمر التجارة، فإن خالفوا شيئاً مما شرطوه فلا ذمة لهم، وقد حل للمسلمين منهم ما يحل من أهل المعاندة والشقاق" (7) .

سبحان الله!.

ما هذا البون الشاسع بين تلك القمة الشماء، وبين هذا الغثاء الذي يعيش اليوم على الأرض متميعاً متسكّعاً وراء الكفار والملاحدة، ومع هذا يحسب نفسه مسلماً؟!.

أين تلك العزة والقوة والسلطان الرباني الذي أخذ به ذلك الجيل؟!.

أين هذا من الضعف والاستخذاء والتبعية العمياء التي يعيشها المسلمون اليوم؟!.

ترى: هل المنتسبون اليوم للإسلام في درجة الذميين الذين طبقت عليهم هذه الشروط؟!.

هل المسلمون اليوم ذميون للكفار؟!

إن الذي يظهر أنه حتى هذا الافتراض الأخير فإن المسلمين اليوم أقل قدرا من ذميي الأمس، ذميو الأمس: في صغار وفي ذلة وفي زي معين ومكان معين.

أما بعض مسلمي اليوم ففي صغار و ذلة واستكانة عن إسلامهم وتبعية للشرق والغرب، وإعجاب وانبهار بما عليه أعداء الإسلام، وسخرية واستهزاء بما كان عليه سلف هذه الأمة!.

ومن هنا فهم أحط قدراً عند الله - ما داموا بهذه الصفات - وأحقر من أن يهابوا، وأصغر من أن تُسمع لهم كلمة في المجتمع الدولي المعاصر.

فعلى المسلم الصادق، المسلم الواعي، المسلم المدرك لحقيقة إسلامه أن يعرف أين يضع قدمه، ومَنْ يقلد ويتبع، وأن يعلم أن التشبه بأعداء الله ومحاكاتهم في حركاتهم وسكناتهم لا تلتقي مع صدق إيمانه، وإنما يفعل ذلك من يزعم الإسلام زعما وبئس ذلك الزعم الكاذب" (8) ."

بارك الله لي ولكم في القرءان العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.

أقول ما تسمعون، واستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المبين، وأشهد أنّ محمَّداً عبده ورسوله الصادق الأمين، صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً،

أمَّا بعدُ:

أيها الأخوة في الله:

إننا لابد أن ندرك جيدا، قبل هذا كله أن وجود الكافر في جزيرة العرب أمر مرفوض شرعاً:"فَجَزِيرَةُ الْعَرَبِ لَا يُمَكَّنُ غَيْرُ الْمُسْلِمِ مِنْ الِاسْتِيطَانِ فِيهَا, وَهَذَا مَحَلُّ اتِّفَاقٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ" (9) .

واختلفوا في تحديد الجزيرة وأقرب الأقوال الموافق لنصوص الحديث أنها من البحر الأحمر غربا إلى الخليج شرقا، ومن أرض العراق شمالا إلى حضرموت جنوبا (10) .

وَاسْتَدَلُّوا على التحريم بقوله صلى الله عليه وسلّم:"أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ". وقوله صلى الله عليه وسلّم:"لَأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ حَتَّى لَا أَدَعَ إلَّا مُسْلِمًا". وقوله صلى الله عليه وسلّم:"آخِرُ مَا عَهِدَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"لَا يُتْرَكُ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ دِينَانِ"."

وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا:"لَا يَجْتَمِعُ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ دِينَانِ".

ومع هذه النصوص وغيرها كثير إلا أن الناس تساهلوا في هذا الموضوع من قبل، فانظر إلى العمالة الكافرة المنتشرة في البلاد!.

فهل تخلو بيوتات المسلمين من وجودهم؟!.

وهل تخلو محلاتنا التجارية ومؤسساتنا وشركاتنا ونحوها منهم؟!.

ولو كانت مواقفنا مربوطة بالإسلام، ومبادئُنا متعلقة بشرائع الإيمان لما وطئت قدم كافر أرض الجزيرة المباركة، ولكن نحن الذين جنينا على أنفسنا بادئ ذي بدء بسكوتنا عن الأمر من قبل، حتى بلغ ما بلغ من جلبهم للسياحة والسياحة أدهى وأمر.

أيها الأخوة:

إنّ وجود هؤلاء الكفار في ديار أهل الإسلام له آثاره الخطيرة، وأضراره الجسيمة، ومن تأمل واقع السياحة الخارجية في بلدان مجاورة علم عظيم الأثر الذي أحدثه هؤلاء في تلك الديار من فساد أخلاقي، و انتشار لحانات الخمور والبغاء، ثم ما يترتب على انتشار البغاء من كثرة الأمراض الفتاكة كالإيدز ونحوه، ونشر للمخدرات والخمور، والتعري الفاضح، والتفسخ الماجن، وكل هذا يهون - وما هو بهين ورب الكعبة - عند إفسادهم لعقائد الناس وأديانهم! فهم يبذلون المليارات لإخراج الناس من دينهم! ويصرفون أوقاتهم من أجل ذلك‍!.

ولنتذكّر أنّ من الكائدين لنا، المعادين لنا في الدين من يعلم أن انفتاح المجتمعات المسلمة على المجتمعات الخارجية من أهم أسباب ذوبانها وإضعاف دوافع التدين لدى أبنائها.

إذن فمن الخطأ أن نظن أنّ أولئك بمعزل عن هذا التوجه السياحي لدينا، فإن لم يكن لهم به علاقة بمباشرة أو تسبب، فلا أقل من أنهم سيستغلونه ويكرسونه لتحقيق ما يصبون إلى تحقيقه، وهو ما أخبرنا الله به في قوله عز وجل: (وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ) . [سورة البقرة، الآية: 109] .

وقوله تعالى: (وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) . [سورة البقرة، الآية: 120] .

ألا إنها دعوة للحذر من الدعوة إلى الفتنة التي تهون عندها كثير من الفتن.

ألا إنها دعوة للمناصحة والكتابة لمن لهم الأمر والشأن إعذاراً وإنذاراً، فالدين النصيحة.

ألا إنها دعوة لتكثيف الجهود، وبذل الوسع والطاقة في الدعوة إلى الله تعالى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنها صمام الأمان للأمة.

ألا إنها دعوة لتحذير الأمة من هذا الداء العضال والسم القتال، وبيان مفاسده وأخطاره: (لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ) . [سورة الأنفال، الآية: 42] .

اللهم صلي على نبينا محمد وآله وأصحابه أجمعين، ومن سار على نهجهم، واقتفى أثرهم إلى يوم الدين.

ـــــــــــــــــــــ

المراجع

(1) رواه أبو داود (2486 )

(2) تفسير البغوي عند آية التوبة 112.

(3) تفسير ابن جرير 11/ 28-29، عند تفسير الآية 112 من سورة التوبة.

(4) حادي الأرواح 1/ 59.

(5) مجموع الفتاوى 10/ 643. وانظر: الاقتضاء 1/ 287.

(6) رواه البخاري (7320 ) .

(7) أحكام أهل الذمة 2/ 661. (بتصرف) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت