وفسرها بعضهم بالجهاد في سبيل الله تعالى، كما جاء في الحديث عند أبي داود عن أَبِي أُمَامَةَ:"أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي فِي السِّيَاحَةِ؟! قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلّم: إِنَّ سِيَاحَةَ أُمَّتِي الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى". (1)
وقال عطاء: السائحون:"هم الغزاة المجاهدون في سبيل الله" (2)
فهم يسيحون لأجل رافع راية الدين، وإعلاء كلمة المسلمين، وإزالة الذل والهوان عن عباد الله المستضعفين، إنهم يسيحون لبلوغ ذروة سنام الإسلام، فأين هذه من تلك؟ّ لو كانوا يعقلون.
وفسرها بعضهم بالصيام.
فإن الله تعالى قد وصف النساء اللاتي يتزوجهن رسوله صلى الله عليه وسلّم بذلك فقال: (سَائِحَاتٍ) وذلك في قوله سبحانه: (عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً) . [سورة التحريم، الآية: 5] .
وأخرج ابن جرير بسنده عن عبيد بن عمير قال:"سئل النبي صلى الله عليه وسلّم عن السائحين فقال: هم الصائمون" (3)
قال ابن كثير:"وهذا مرسل جيد". وكذا فسر السياحة بالصيام، أبو هريرة وابن مسعود و ابن عباس و عائشة وغيرهم، رضي الله عنهم.
وعن سفيان بن عيينة قال:"إنما سمي الصائم السائح لأنه تارك للذات الدنيا كلها من المطعم والمشرب والمنكح فهو تارك للدنيا بمنزلة السائح".
وفسرها بعضهم بالمداومة على فعل الطاعات.
وقد أخرج ابن أبي حاتم أن عثمان بن مظعون أراد أن ينظر أيستطيع السياحة؟! قال:"كانوا يعدون السياحة قيام الليل وصيام النهار".
وفسرها بعضهم بالهجرة.
أخرج ابن أبي حاتم عن عبد الرحمن ابن زيد بن أسلم في قوله سبحانه: (السَّائِحُونَ) . [سورة التوبة، الآية: 112] . قال:"هم المهاجرون؛ ليس في أمة محمد صلى الله عليه وسلم سياحة إلا الهجرة، وكانت سياحتهم الهجرة حين هاجروا إلى المدينة، ليس في أمة محمد صلى الله عليه وسلم ترهب".
قال ابن القيم، رحمه الله:"وفُسرت السياحة بالصيام، وفُسرت بالسفر في طلب العلم، وفُسرت بالجهاد، وفُسرت بدوام الطاعة".
والتحقيق فيها أنها سياحة القلب في ذكر الله ومحبته، والإنابة إليه، والشوق إلى لقائه، ويترتب عليها كل ما ذكر من الأفعال، ولذلك وصف الله سبحانه نساء النبي اللاتي لو طلق أزواجه بدله بهن بأنهن: (سَائِحَاتٍ) . [سورة التحريم، الآية: 5] . وليست سياحتهن جهاداً، ولا سفراً في طلب علم، ولا إدامة صيام، وإنما هي سياحة قلوبهن في محبة الله تعالى وخشيته والإنابة إليه وذكره.
وتأمل كيف جعل الله سبحانه التوبة والعبادة قرينتين؛ هذه ترك ما يكره، وهذه فعل ما يحب، والحمد والسياحة قرينتين، هذا الثناء عليه بأوصاف كماله، وسياحة اللسان في أفضل ذكره، وهذه سياحة القلب في حبه وذكره وإجلاله، كما جعل سبحانه العبادة والسياحة قرينتين في صفة الأزواج، فهذه عبادة البدن وهذه عبادة القلب" (4) ."
وليس المراد من السياحة ما قد يفهمه بعض من يتعبد بمجرد السياحة في الأرض والتفرّد في شواهق الجبال والكهوف والبراري، فإن هذا ليس بمشروع إلا في أيام الفتن والزلازل في الدين، كما ثبت في صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال:"يوشك أن يكون خير مال الرجل غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن".
فلا إله إلا الله!.
يُنهى رجال أن يتفردوا في شواهق الجبال من أجل عبادة الكبير المتعال! فهل يعقل أن يؤذن بالسياحة بمفهومها العالمي المعاصر؟!.
ماذا نقول لمن يريد السياحة التي يصحبها إسفاف في العقول، وتحطيم للقيم، وهتك للأعراض، وسفك للدماء، ونشر للرذيلة، وانتشار لشبكات المخدرات والمسكرات، وضياع للأمن؟!.
وكيف نقول للمعجبين بسياحة العصر، المنادين لها عبر وسائل الإعلام المختلفة؟!.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:"السياحة في البلاد لغير مقصود مشروع كما يعانيه بعض النساك أمر منهي عنه"، قال الإمام أحمد:"ليست السياحة من الإسلام في شيء ولا من فعل النبيين ولا الصالحين" (5) .
أيها الأخوة:
إذا كنا قد نُهينا عن السياحة التي هي بمفهوم الرهبنة والانقطاع للعبادة، وذلك من أجل مخالفة للنصارى فيما هم عليه من الرهبانية المبتدعة، فكيف نقلدهم ونحاكيهم في المناداة بالسياحة العصرية الشهوانية؟!.
سبحان الله!.
(فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) . [سورة الحج، الآية: 46] .
لقد صدق فينا قول النبي صلى الله عليه وسلّم:"لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا شِبْرًا وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ! قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى؟! قَالَ: فَمَنْ" (6) .
فأي انهزامية بلغناها؟!. وأي مدى من التبعية وصلناها؟! حتى أصبحنا نأخذ الأمور على عواهنها، دون مراجعة وتمحيص.
دعونا - يرحمكم الله - ننظر إلى الوراء قليلاً لنقف على العزة التي افتقدناها، والكرامة التي ضيعناها:
أقبل ربعي بن عامر يسير على فرسه إلى رستم ملك الفرس، فلما انتهى إليه وإلى أدنى البسط، قيل له: انزل فحمل فرسه على البساط، فلما استوت عليه، نزل عنها وربطها بوسادتين فشقهما، ثم أدخل الحبل فيهما، فلم يستطيعوا أن ينهوه، وإنما أروه التهاون وعرف ما أرادوا، فأراد استحراجهم، فقالوا: ضع سلاحك، فقال: إني لم آتكم فأضع سلاحي بأمركم، أنتم دعوتموني، فإن أبيتم أن آتيكم كما أريد رجعت. فأقبل يتوكأ على رمحه، فما ترك لهم نُمرقة ولا بساطاً إلا أفسده وتركه مخرقا، فلما دنا من رستم تعلق به الحرس، وجلس على الأرض، وركز رمحه بالبسط.
فقالوا: ما حملك على هذا؟! قال: إنا لا نستحب القعود على زينتكم هذه. فكلمه فقال: ما جاء بكم؟! قال: الله ابتعثنا، والله جاء بنا، لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمن قبل منا ذلك قبلنا ذلك منه ورجعنا عنه، وتركناه وأرضه يليها دوننا، ومن أبى قاتلناه أبدا، حتى نفضي إلى موعود الله.
قال: وما موعود الله؟! قال: الجنة لمن مات على قتال من أبى، والظفر لمن بقي"."
واسمع يا رعاك إلى بعض الشروط العمرية التي فرضها عمر رضي الله عنه على أهل الجزية لتعلم مدى عزة أهل الإسلام: