إن الغيور على دينه من أهل الإسلام عمومًا، وقاصدي المسجد الحرام خصوصًا أن يكون مثلا عاليًا في إسلام الوجه لله، وإفراده بخالص التوحيد، وصدق العبوديّة، مع التمسُّك الوثيق بالسنّة والتزام منهج الإسلام الحق في الاعتدال والوسطية وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس {البقرة:143} ، والتحلي بجميل الأخلاق والمزايا وكريم الشمائل والسجايا.
أمة الإسلام وأصحاب الهوى!!
الحج مشهد جليل مهيب من مشاهد هذه الأمة يجتمع فيه المسلمون من مشارق الأرض ومغاربها، وإن الناظر في أحوال الحجيج يقف على صورة جليَّة تحكي واقع الأمة الإسلامية بحلوه ومرِّه، ولذلك فإن المنطلقات المهمة أن تستثمر الأمة هذه المناسبة العظيمة لإصلاح واقعها في جميع جوانبه، والمستقرئ لأحوالها يرجع بالأمس لما آل إليه أمرها في كثير من أوضاعها، حيث اندرست جملة من معالم الشريعة حينما كدّرتها شوائب الضلالة وأصحاب الهوى ممن على صوتهم، وخفت عملهم، وكثرت شعاراتهم الجوفاء، فانفرط عقد وحدتها، وتناثر سلسال رونقها، وتفرقت بها السُبل والآراء، وتجارت بها المحن والأهواء، وذرّ قرن الفتنة في كثير من مجتمعاتها، وتكلمت الرويبضة، واستنسَر خفافيش الظلام ممن في نفوسهم عَرض وفي قلوبهم هوى ومرض ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!!
فيا أمة الإسلام، يا حجاج بيت الله الحرام، يا جموع الطائفين بكعبة الله، القائمين حول بيته، الراكعين الساجدين في حرم الله، يا من أتيتم من كل فج عميق، واجتمعتم في هذا البيت العتيق، هذه قبلتكم قبلة واحدة، وهذه أمتكم أمّة واحدة، فبأي مسوِّغ شرعي تختلفون؟! وبأي مقتضى علميّ تتفرقون؟! وبأي موجب منطقيِّ تتنازعون، وأنتم أمام قبلتكم تجتمعون، وحيثما كنتم إليها تتوجّهون وشطرها تيممون؟! أما تعلمون وتوقنون أن في مخالفتكم ما أمرتم به من الاعتصام بحبل الله جميعًا ذهاب ريحكم، وضياع هيبتكم، وتسليط عدوكم عليكم؟! وقد قال صلى الله عليه وسلم في مثل هذا الموقف العظيم:"تركت فيكم ما إن تمسكتم به فلن تضلوا بعدي أبدًا: كتاب الله وسنتي".
نناشدكم الله أن تكونوا في طليعة الأمة إلى إصلاح أحوالها، وفي الصدارة إلى استقامة أوضاعها إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم {الرعد:11} .
ولتستقبلوا أيامكم بصفحة ناصعة منعمة بجلائل الأعمال، ولتعلموا أن من أسباب صلاح الحال ورفع البلاء الإلحاح على الله بالدعاء.
إحذروا عدَّوكم الشيطان الذي يريد أن تكون حياتكم لهوًا ولعبًا وكسلا عن الطاعات، ويريد أن ينغمس الإنسان في اللذائذ المحرمَّات والشهوات، وأن يفرق في بحار الغفلة والموبقات، فاعتصموا بربكم واثبتوا على صراط الله المستقيم فإنه الطريق إلى جنَّات النعيم.
تقبل الله منا ومنكم الطاعات ورفع شأن الأمة وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين!!