ومع اقتراب موسم الحج ففيه يوم عرفة يومٌ أغرّ، ملتقى المسلمين المشهود، يوم رجاء وخشوع وذُلِّ وخضوع، يوم كريم على المسلمين، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى:"الحجيج عشية عرفة ينزل على قلوبهم من الإيمان والرحمة والنور والبركة ما لا يمكن التعبير عنه".
وأفضل الدعاء دعاء ذلك اليوم يقول ابن عبد البر في التمهيد 6-41:"دعاء يوم عرفة مجاب كلُّه في الأغلب"والإكثار فيه من كلمة التقوى مع مفهوم مدلولها ومعانيها خيرُ الكلام، يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم:"خير الدعاء دعاء يوم عرفة وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير". {رواه الترمذي في سننه} . يوم يكثر فيه عتقاء الرحمن ويباهي بهم ملائكته المقرَّبين، يقول صلى الله عليه وسلم:"ما من يوم أكثر من أن يُعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنوا ثم يباهي بهم الملائكة...". {صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها} . قال ابن عبد البر:"وهذا يدلّ على أنهم مغفور لهم، لأنه لا يباهي بأهل الخطايا والذنوب إلا من بعد التوبة والغفران". {التمهيد:1-120} فكُن مُخْبِتًا لله في ذلك اليوم، متواضعًا خاضعًا لجنابه، منكسرًا بين يديه، طامعًا في كرمه، راغبًا في وعده، راهبًا من وعيده.
إن اجتماع الناس في عرفة تذكير بالموقف الأكبر يوم الحشر لفصل القضاء بين الخلائق ليصيروا إلى منازلهم؛ إمَّا نعيم وإما جحيم.
ومن عظم الله على عباده أن جعل الدعاء في ذلك اليوم عظيم المكانة، رفيع الشأن، يرفع الحاج إلى مولاه حوائجه ويسأله من كرمه المتوالي، فتقيد بشروطه، وتمسّك بآدابه، واحذر من الوقوع في شيء من موانع إجابته، وتحرّ الأوقات والأمكنة الفاضلة لقبوله، وتوجه إلي الله بقلبك امتثالا لأمره في قوله: فادعوا الله مخلصين له الدين {غافر:14} ، وارفع له سؤالك، وناجه بكروبك، وأيقن بتحقيق الإجابة، وألحَّ على الكريم في الطلب، ولا تيأس من تأَخُّرِ العطاء، ففي التأخير رحمة وحكمة وهو الخلاق العليم، إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون {يس:82} .
ومع اقتراب موسم الحج فإننا نُذكِرُّ بأن نُسُكَ النحر عبادة محضة لله، يتقرب بها المسلمون لربهم من هدي أو أضحية، لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم {الحج:37} .
يقترب موسم الحج وفي وضع النواصي بين يدي ربها حلقًا أو تقصيرًا استسلام لهيمنة الله وخضوعٌ لعظمته تَذَلُّلٌ لعزّته، والذكر وسيلة لِحياة القلب، وتهذيب النفوس، وتزكية الفؤاد، وإقامةُ ذكر الله، والإكثار منه في المشاعر مقصد من مقاصد أداء تلك الشعيرة، وأرجى لقبولها وأصدق في إخلاص فعلها، قال تعالى: ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات {الحج:28} وقال جل وعلا: فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام {البقرة:198} ، وقال جل جلاله: فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا {البقرة:200} ، وقال سبحانه: واذكروا الله في أيام معدودات {البقرة:203} ، فصاحب ذكر الله في سائر حجِّك فمشاعر الحج شُرعت لذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم:"إنما جُعل الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار ولإقامة ذكر الله". {سنن الترمذي وأبي داوود} .
إصلاح العقيدة أساس كل إصلاح
يقترب موسم الحج والمسلمون في أمس الحاجة لتبصر أحوالهم في هذا المنعطف الخطير من تأريخ أمتهم. وليعلموا أن ما لحق بهم من ذلٍ ومهانة، وما مسهم من لغوب واستكانة في كثير من المجتمعات إنما يعود إلى تمزقُّ عُراهم وتفرق قواهم، وما شعيرة الحج إلا دعوة للمسلمين إلى وجوب الوحدة والاتحاد وثنيٌ لهم عَمَّا مُنُوا به في هذه الحقبة المعاصرة من ضعف وتدابر، لقد آن الأوان أن تجعل أمة الإسلام من هذا الموسم فرصة لاجتماعها، ومناسبة لاتحادها بعدما فرقتها الفتنُ والأهواء وشتتتها المحن، والله عز وجل يقول: إنما المؤمنون إخوة {الحجرات:10} ، ويقول سبحانه: واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا {آل عمران:103} .
وصلاح العقيدة سبب لكل صلاح فتوحيد الله من أعظم المقاصد في الحج، والإذعان له من كل فج والتقرب له سبحانه، وما التلبية التي يدوي بها الحجيج وتهتزلها جنبات البلد الأمين، وتجلجل بها المشاعر المقدسة إلا عنوان التوحيد والإيمان، وشعار الطاعة والإذعان وقد وصف جابر بن عبد الله رضي الله عنهما إهلال النبي صلى الله عليه وسلم قائلاً فأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتوحيد:"لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك". {أخرجه مسلم}