وهو أعظم بلية يبتلى بها الإنسان في هذه الدنيا ـ نسأل الله السلامة ولنعلم أيها الإخوة أن الأيام تنقضي ، وأن الأعمار تفنى ، وأن الأجل يقدم ، وأن الإنسان إذا وفق للطاعات اليوم فقد يحرم منها غداً إما بمرض أو بعجز ، وإما بقهر وإما بسبب من الأسباب . { واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون } .
ولنعلم - أيها الإخوة - أن هذا الأمر الذي يقع فيه كثير من الناس عاقبته إنها تعود على الإنسان نفسه، فالله عز وجل غني عن طاعة الطائعين مستغن عن عبادة العباد قال جل وعلا في الحديث القدسي الصحيح المعروف: ( يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً ، ولو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً ) ، هو سبحانه الغني ونحن الفقراء إليه فإن أطعناه في ذلك طمأنينة في قلوبنا وانشراح لصدورنا وسعادة لنفوسنا وبركة في أموالنا وأوقاتنا وذرياتنا وحسن عاقبة في آخرتنا بإذن الله عز وجل .
وإن عصيناه - لا قدر الله - فإن ذلك ظلمة في القلب وضيق في الصدر وهم وغم وتوالٍ للبلاء وتوالٍ وتكرر لما يقضيه الله عز وجل من فتنة ومحنة ؛ لأن الله - عز وجل - قال: { ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا } فكيف لو أراد الله - عز وجل - قضى أن يعاقب كل أحد على معصيته لكان كما قال الله جل وعلا: { ما ترك على ظهرها من دابة } ، وقال الله جل وعلا: { فمن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً } إنما هو المتضرر هو أنت - أيها العبد المؤمن - كيف ترضى بعد الغنيمة في مواسم الخير أن تعود خاوي الوفاق وان تتحمل الديون من جديد، إن هذا التاجر الذي يصنع هذا الصنيع لا شك انه أحمق وأنه يجني على نفسه جناية عظمى وأنه يكون عند الناس غير مرضي عنه ولا مقبول عمله .
ثم انظروا - أيها الإخوة - ما ساق الله لنا في هذا الشهر الكريم . انظروا ما كنا عليه بحمد الله عز وجل مما ينطبق بإذنه سبحانه وتعالى وصف وشهادة الحق في قوله: { إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين } ، هذه الشهادة كنا ننالها بحمد الله ونحن نأتي إلى المساجد زرافات ووحداناً ونحن نتسابق إليها مع آذان المؤذن وقبل دخول الوقت ونحن نمكث فيها نظل فيها أوقاتاً طويلة ويعتكف المعكفون ويتهجد المتهجدون ويتطوع المتطوعون .
فكيف بنا بعد ذلك نتخلى عن هذا الخير وقد يصدق في بعضنا قول الله جل وعلا { فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غياً } ما بالنا أيها الأخوة وقد أخبرنا النبي عليه الصلاة والسلام بالمثوبة والأجر في هذا العمل العظيم والركن الركين ، والأساس المتين في هذا الدين ، ثم بعد ذلك نفرط هذا التفريط وكنا في هذا الشهر بحمد الله - عز وجل - ممن يخاطبون، يقول الله جل وعلا: { الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } فهل ننتكس بعد ذلك ونرتكس ويكون حالنا كمن قال الله - جل وعلا - في شأنهم عن المنافقين: { ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين * فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون * فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون } .
لا ينبغي لنا أن ننزل عن مرتبة المنفقين المسارعين في البذل والإنفاق حتى نصل بعد ذلك وفي نهاية الشهر إلى الوصف الذميم الذي ذكر النبي عليه الصلاة والسلام كما في مسند احمد ( أن المؤمن يطبع على الخلال كلها إلا الكذب والخيانة ) ، وقد ذم النبي - عليه الصلاة والسلام - البخل والشح فينبغي لنا أن نبرأ من هذا الداء العضال وقد تبرأنا منه طيلة الشهر فلا ينبغي لنا أن نعود كما قال جل وعلا: { الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله وأعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً } ، وكيف بنا - أيها الإخوة - وقد كان لنا عظيم الصلة بكتاب الله - جل وعلا - وكنا مقبلين على تلاوته نرطب به ألسنتنا ، ونمتع به أسماعنا ، ونحيي به قلوبنا ، ونتذكر به أوامر ربنا ، ويحق فينا بإذنه قوله جل وعلا: { إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية يرجون تجارة لن تبور } ، وكنا بحمد الله - عز وجل - ممن يصدق فيهم وصفه سبحانه وتعالى: { وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً } ، فكيف بنا بعد ذلك نرتد للقرآن هاجرين وعن آياته منقطعين وعن أوامره غافلين وقد يصدق في بعض منا قوله جل وعلا: { وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبراً كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقراً فبشره بعذاب أليم } .