فهرس الكتاب

الصفحة 7400 من 9994

وأما أن نأخذ من الغرب الكافر عادات وطبائع أجنبية عن ديننا، فلنتذكر أن الإسلام إسلام، وأن الكفر كفر، وأن القوم في نصف الأرض، ونحن في نصفها الآخر، ولقد كنا سادة قبل أن كانت هذه العادات الغربية التي رأينا فيها ومن أثرها في المجتمعات المسلمة الحرة ما أفسد رجولة بعض رجالها وأنوثة بعض نسائها خاصة، لأنهن يندفعن اندفاعا محموما وراء المجهول، في حلبة التقليد الأعمى، لقد راعهن من الغرب بريق مصانعه وطرافة منتجاته، فرضين بالسير وراء الهابطات من نسائه، حتى أصبحن لا يرضين عن أثوابهن إلا بمقدار انطباقها على نماذجهن، الواردات في أزياء نساء الغرب وأشباههن، فإذا رأيت ثوب إحداهن كاسيا يستر بعض العورة، فاعلم أنه صورة من ذلك الأنموذج الجديد. قال عنهن المصطفى: (( ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب للب ذي اللب من إحداكن ) )رواه البخاري ومسلم [6] .

ولما أنشده الأعشى أبياته التي يقول فيها: (( وهن شر غالب لمن غلب ) )جعل النبي يرددها ويقول: (( وهن شر غالب لمن غلب ) )رواه أحمد [7] . ولذلك امتن الله على زكريا عليه السلام حيث قال: وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ [الأنبياء:90] . وقال: فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَفِظَاتٌ لّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ [النساء:34] .

أيها المسلمون، إن القيود التي يفرضها الدين على الإنسان، لا يريد بها عذابه ولا حرمانه، إنما يريد بها أن يرتفع بها من الحيوانية الهابطة، إلى الإنسانية الصاعدة، وبذلك ينتصر المسلم على التبعية التحررية، ويتغلب الإيمان والتقوى على الشهوة البَهَميَّة السبعية، وإن كل مجتمع يخرج على هذه القيود أو يهون من شأنها، فإنه يعرض نفسه للخطر ويقرب بها من حافة الهاوية وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة:229] .

ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين [القصص:50] .

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم…

[1] لاحق وسكّاب فرسان للعرب مشهوران ، والعيدية هي النوق النجائب ، منسوبة إلى بني العيد.

[2] صحيح البخاري ح (7320) ، صحيح مسلمح (2669) .

[3] صحيح البخاري ح (7319) .

[4] حسن ، مسند أحمد (3/338) ، مصنف ابن أبي شيبة (6/228) .

[5] صحيح ، مسند أحمد (2/50) ، سنن أبي داود (4031) ، وانظر فتح الباري (10/274) .

[6] صحيح البخاري ح (304) ، صحيح مسلم ح (79) .

[7] مسند أحمد (2/201-202) . قال أحمد شاكر في تعليقه على المسند (ح6885) : إسناده صحيح.

الخطبة الثانية

الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان.

أما بعد:

فاتقوا الله ـ أيها المسلمون ـ واعلموا أن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي، هدي محمد ، وشر الأمور ما أحدث على غير هدً من الله، أو سنة سنها محمد بن عبد الله، فلقد ـ نهى بأبي هو وأمي صلوات الله وسلامه عليه ـ عن كل ما يفضي إلى مشابهة الكفار، حتى لقد قال اليهود عنه: (( ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه ) )رواه مسلم [1] .

وقد نهى فيما رواه مسلم في صحيحه عن الصلاة بعد الفجر حتى ترتفع الشمس، ونهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وعلل ذلك بأنها تطلع وتغرب بين قرني شيطان وحينئذ يسجد لها الكفار [2] .

ومعلوم أن المؤمن لا يقصد السجود إلا لله تعالى، وأكثر الناس قد لا يعلمون أن طلوعها وغروبها بين قرني شيطان، ولا أن الكفار يسجدون لها؛ ومع ذلك فقد نهى عن الصلاة في هذا الوقت، حسما لمادة المشابهة بكل طريق.

وعليه فمشابهة أهل الكتاب والكفار من الأعاجم ونحوهم لابد أن تورث عند المسلم نوع مودة لهم، أو هي على الأقل مظنة المودة، فتكون محرمة من هذا الوجه؛ سدا للذريعة، وحسما لمادة حب الكافرين، والولاء لهم، فضلا عن كونها محرمة من وجوه أخرى، بالنصوص الشرعية الواردة وغيرها.

وإننا لندرك بوضوح أن فئاما ممن يتشبهون بالكفار، في لباسهم أو سلوكهم أو عاداتهم، أو يتكلمون بلغتهم، أنهم تميل نفوسهم إلى حبهم وتقديرهم والإعجاب بهم، ومن هنا ينجح أهل الكفر، في أن يروجوا بين المسلمين دعوات مدوية يكون لها رجع الصدى في بعض النفوس المريضة إلى حضارات عالمية، وزمالات أديان، تهدف إلى إذابة الشخصية الإسلامية، حتى إن المتنكر لهم يسمى انعزاليا وانطوائيا، بل ورجعيا ضيق الأفق، معزولا عن العالم، يجب أن يموت في مهده ـ زعموا ـ.

فما المانع عندهم إذاً من أن تصلصل النواقيس، بجانب المآذن المدوية الله أكبر الله أكبر، وما المانع عندهم أن تتعانق الأديان على أرض جزيرة العرب، ناسين أو متناسين قول المصطفى: (( لا يجتمع في جزيرة العرب دينان ) )رواه مالك وأحمد بنحوه [3] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت