إن الله تعالى جبل بني آدم بل وسائر المخلوقات على التفاعل بين الشيئين المتشابهين، وكلما كانت المشابهة أكثر، كان التفاعل في الأخلاق والصفات أتم، حتى يؤول الأمر إلى أن لا يتميز أحدهما عن الآخر إلا بالعين فقط؛ ولأجل هذا الأصل وقع التأثر والتأثير في بني آدم، واكتساب بعضهم أخلاق بعض بالمعاشرة والمشاكلة، بل إن الآدمي إذا عاشر نوعا من الحيوان اكتسب بعض أخلاقه؛ ولهذا صار الخيلاء والفخر في أهل الإبل، وصارت السكينة والوقار في أهل الغنم، وصار الجمالون البغالون فيهم أخلاق مذمومة من أخلاق الجمال والبغال، وصار الحيوان الإنسي، فيه بعض أخلاق الناس، من المعاشرة والمؤالفة وقلة النفرة.
وإن اللابس ثياب أهل العلم يجد من نفسه نوع انضمام إليهم؛ لأن المشابهة والمشاكلة في الأمور الظاهرة توجب مشابهة ومشاكلة في الأمور الباطنة، على وجه المسارقة والتدرج الخفي، وهذا ما يشهد به الواقع، فضلا عن بيان الشرع وموافقة العقل، وقديما قيل: (الطيور على أشكالها تقع) ، وهذا مثل صحيح، يوافق سنة الله في خلقه، وصدق رسول الله حيث يقول: (( من تشبه بقوم فهو منهم ) )رواه أحمد وأبو داود [5] .
قال شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله: وقد رأينا اليهود والنصارى، الذين عاشروا المسلمين هم أقل كفرا من غيرهم، كما رأينا المسلمين الذين أكثروا من معاشرة اليهود والنصارى، هم أقل إيمانا من غيرهم ممن جرد الإسلام.
عباد الله، إن التشبه بأهل الكفر والشرك في أزيائهم وعاداتهم وأحكامهم وسياساتهم واقتصادهم قد جرى في كثير من أوساط المسلمين جريان الدم في العروق، وسرى سريان النار في يابس الحطب، بل ولربما صار المتفرنج المحاكي موضع إجلال الدهماء وإكبارهم، يحتذيه لهازم الناس وأغرارهم، حتى يساير ذلك كله الغوغاء من أبناء هذه الأيام، مترفهم ومثقفهم، بل وحتى من كان على فراش الإملاق منهم. أفٍّ للتقليد والتبعية! ما أثقل أغلالهما! وما أشد عتمة مسالكهما! وما أبخس صفقة الذين لا يتزحزحون عنها!
نعم، أف ثم أف، للتقليد ومسايرات الغرب! فكم أوقفت بعض الأجيال في سجون ضيقة مظلمة، من التبعية الماحقة، وحجبت عنهم أنواع التفكر والتبصر والعزة، وغممت عليهم مطالع السعادة الحقيقية للنفوس.
أف ثم أف للتقليد والتبعيات! فهي قاطعة الطريق على نتائج العقول، تزج بها في مهاوي العدم، أو تذرها في سجن أقفر، ممنوعا عنها كل ما يحييها.
إن الأمة المسلمة يجب أن تكون متبوعة لا تابعة، وقائدة لا منقادة، ويجب ألا تغتر بما تراه من زخرف الحياة في أمة تقطعت روابطها، وانفصمت عراها وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْواجاً مّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحياةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى [طه:131] .
وإن حضارة الغرب، كالسراب، الذي يرى في القيعان من الأرض عن بعد، كأنه بحر طام وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْانُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ [النور:39] .
ألا فليعلم الضعفاء والمغفلون منا، الذين يحاولون في تبعيتهم أن يؤلفوا الأمة على خلق جديد، ينتزعونه من المدنية الغربية، ألا فليعلموا أن الخلق الطارئ لا يرسخ بمقدار ما يفسد من الأخلاق الراسخة، وإذا كان البعض يشعر في قرارة نفسه أنه لابد للأمة في نهضتها من أن تتغير، فإن رجوعنا إلى كتاب ربنا وسنة نبينا ، أعظم ما يصلح لنا من التغير، وما نصلح به منه إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مّن دُونِهِ مِن وَالٍ [الرعد:11] .
إننا إذا أخذنا في أسباب القوة، وتمثلت فينا الأخلاق المتينة، من الإرادة والتقوى والإقدام، والحمية الإسلامية، وإذا جعلنا لنا صبغة خاصة تميزنا عن سوانا، وتدل على أننا أهل دين وخلق، إذا كان ذلك كله، فلعمر الله، أي ضير في ذلك كله، وهل تلك إلا الأخلاق الإسلامية الحقة، وهل في الأرض نهضة ثابتة تقوم على غيرها صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ [البقرة:138] . أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِى حَكَماً وَهُوَ الَّذِى أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً [الأنعام:114] .