لقد أصم العالم أذنيه عنا، ولكن لن توقفنا الصعاب، ولن تذكر لنا الخطوب؛ لأننا لا نسجد لغير الله، ولا نخضع لغيره، ولا نعتمد على غيره، فلنعلق جراحنا ولنصبر، فنحن أهل رسالة وأهل دعوة، وأصحاب لهذه الأرض، فلن ولن نستجدي عطف الاحتلال والكفر، ولكننا نريد رضا الله وعفوه ومغفرته، ونصره المؤزر بإذنه.
أيها المسلمون! إننا ونحن نفرح في هذا اليوم المبارك ينبغي لنا أن نتذكر أخواناً لنا حرموا هذه الفرحة، بل رسمت على وجوههم البؤس، والحزن والبكاء، وهدمت فوق رؤوسهم البيوت، و.. و..
والمسلم للمسلم كالبينان يشد بعضه بعضاً، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر.
فينبغي علينا أن ندعو لهم وهذا اقل ما نقدمه لهم، وأن نواسيهم بالمال فنكفل يتيماً، ونفك أسيراً، ونطعم جائعاً، ونسد حاجة فقيراً.
ثالثها: التكبير:
فيشرع التكبير في عيد الفطر المبارك من غروب شمس ليلة العيد إلى صلاة العيد.
وفي الأضحى لمن كان حاجا من عند رمي جمرة العقبة يوم النحر، ولغير الحاج من يوم عرفة إلى أخر أيام التشريق.
ويستحب للرجال رفع الصوت بالتكبير في المساجد والطرقات والأسواق والدور، إظهاراً لهذه الشعيرة التي تكاد تكون مفقودة في أوساط كثير من الناس اليوم، اقتداءً بسلف هذه الأمة من الصحابة ومن بعدهم.
وصفة التكبير: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
رابعها: الغسل والتزيين والتطيب:
يستحب للرجال الاغتسال والتطيب ولبس أحسن الثياب للعيد، فقد روى الإمام البخاري في صحيحه عن ابن عمر قال: أخذ عمر جبة إستبرق تباع في السوق، فأخذها، فأتى رسول الله فقال: يا رسول الله! ابتع هذه تجمل بها للعيد والوفود.
وكان ابن عمر- رضي الله عنه - يلبس أحسن الثياب.
خامسها: التبكير في الخروج لصلاة العيد:
قال الله تعالى: {فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} سورة المائدة (48) . وقال تعالى: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} سورة الحديد (21) .
وقد قال البخاري: باب التبكير إلى العيد. ثم ذكر حديث البراء قال: خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يوم النحر، فقال:"إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي..".
قال الحافظ ابن حجر: هو دال على أنه لا ينبغي الاشتغال في يوم العيد بشيء غير التأهب للصلاة والخروج إليها، ومن لازمه أن يفعل شيئاً غيرها، فاقتضى ذلك التبكير إليها.
وحكم الصلاة العيد واجبة لا تسقط إلا بعذر كما رجح ذلك المحققون من أهل العلم ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره.
بل إن النساء يشهدن العيد مع المسلمين حتى الحيض، ويعتزل الحيض المصلى؛ لحديث أم عطية الأنصارية قالت: أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أن نخرجهن في الفطر والأضحى، العواتق وذوات الخدور، فأما الحيض فيعتزلن الصلاة ويشهدن الخير ودعوة المسلمين4.
سادسها: أن لا يأكل إلا بعد الصلاة من أضحيته:
يستحب أن يخرج إلى الصلاة يوم الأضحى قبل أن يتناول شيئاً، فإذا عاد ذبح أضحيته وأكل منها، لما ورد في الترمذي والحاكم من حديث بريدة قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم- لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم، ولا يطعم يوم الأضحى حتى يصلي.
وأما في عيد الفطر فيستحب أن يتناول تمرات قبل خروجه إلى الصلاة، وأن يقطعهن وتراً، لما جاء في البخاري عن أنس - رضي الله عنه- قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات. وفي رواية: ويأكلهن وتراً. قال ابن قدامة: لا نعلم في استحباب تعجيل الأكل يوم الفطر خلافاً.
سابعها: المشي إلى المصلى:
فقد جاء في الترمذي وحسنه، عن علي بن أبي طالب- رضي الله عنه- قال: من السنة أني أتي العيد ماشياً. ثم قال الترمذي: والعمل على هذا الحديث عند أكثر أهل العلم.
ولكن إذا كانت المسافة بعيدة أو ما أشبه ذلك فلا بأس بالركوب، قال ابن المنذر- رحمه الله-: المشي إلى العيد أحسن وأقرب إلى التواضع ولا شي على من ركب.
ثامنها: مخالفته الطريق:
لما روي عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم- إذا كان يوم عيد خالف الطريق.
قال ابن القيم في زاد المعاد معللاً للحكمة في مخالفة الطريق: وكان - صلى الله عليه وسلم - يخالف الطريق يوم العيد، فيذهب من طريق، ويرجع من آخر، قيل ليسلم على أهل الطريقين، وقيل لينال بركته الفريقان، وقيل ليقضي حاجة من له حاجة منهما، وقيل ليظهر شعائر الإسلام في سائر الفجاج والطرق، وقل ليغيظ المنافقين برؤيتهم عزة الإسلام وأهله، وقيام شعائره.