وفي شهود الجمعة شبه من الحج، وروى: أنها حج المساكين. وقال سعيد بن المسيب: شهود الجمعة أحب إليَّ من حجة نافلة، والتبكير إليها يقوم مقام الهدي على قدر السيف فأولهم كالمهدي بدنة، ثم بقرة، ثم كبشاً، ثم دجاجة، ثم بيضة.
وشهود الجمعة يوجب تكفير الذنوب إلى الجمعة الأخرى إذا سلم ما بين الجمعتين من الكبائر؛ كما أن الحج المبرور يكفر ذنوب تلك السنة إلى الحجة الأخرى، وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"ما طلعت الشمس ولا غربت على يوم أفضل من يوم الجمعة".
فهذا عيد الأسبوع وهو متعلق بإكمال الصلوات المكتوبة، وهي أعظم أركان الإسلام ومبانيه بعد الشهادتين.
أيها المسلمون! أما العيدان اللذان لا يتكرران في كل عام، وإنما يأتي كل واحد منهما في العام مرة واحدة، فأحدهما: عيد الفطر من صوم رمضان، وهو مترتب على إكمال صيام رمضان وهو الركن الثالث من أركان الإسلام ومبانيه، فإذا استكمل المسلمون صيام شهرهم المفروض عليهم واستوجبوا من الله المغفرة والعتق من النار، فإن صيامه يوجب مغفرة ما تقدم من الذنوب، وآخره عتق من النار، يعتق فيه من النار من استحقها بذنوبه، فشرع الله - تعالى- لهم عقب إكمالهم لصيامهم عيداً، يجتمعون فيه على شكر الله وذكره وتكبيره على ما هداهم له، وشرع لهم في ذلك العيد الصلاة والصدقة، وهو يوم الجوائز يستوفي الصائمون فيه أجر صيامهم ويرجعون من عيدهم بالمغفرة.
والعيد الثاني: عيد النحر، وهو أكبر العيدين وأفضلهما، وهو مترتب على إكمال الحج، وهو الركن الرابع من أركان الإسلام ومبانيه، فإذا أكمل المسلمون حجهم غفر لهم، وإنما يكمل الحج بيوم عرفة، والوقوف فيه بعرفة فإنه ركن الحج الأعظم؛ كما قال صلى الله عليه وسلم:"الحج عرفة"ويوم عرفة هو يوم العتق من النار، فيعتق الله فيه من النار من وقف بعرفة ومن لم يقف بها من أهل الأمصار من المسلمين، فلذلك صار اليوم الذي يليه عيداً لجميع المسلمين في جميع أمصارهم من شهد الموسم منهم ومن لم يشهده لاشتراكهم في العتق والمغفرة يوم عرفة، وإنما لم يشترك المسلمون كلهم في الحج كل عام رحمة من الله وتخفيفا على عباده فإنه جعل الحج فريضة العمر لا فريضة عام، وإنما هو في كل عام فرض كفاية بخلاف الصيام فإنه فريضة كل عام على كل مسلم.
فإذا كمل يوم عرفة وأعتق الله عباده المؤمنين من النار اشترك المسلمون كلهم في العيد عقب ذلك، وشرع للجميع التقرب الموسم يرمون الجمرة، فيسرعون في التحلل من إحرامهم بالحج، ويقضون تفثهم ويوفون نذورهم، ويقربون قرابينهم من الهدايا ثم يطوفون بالبيت العتيق، وأهل الأمصار يجتمعون على ذكر الله وتكبيره والصلاة له، ثم ينسكون عقب ذلك نسكهم ويقربون قرابينهم والنحر الذي يجتمع في عيد النحر أفضل من الصلاة والصدقة الذي في عيد الفطر، ولهذا أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أن يجعل شكره لربه على إعطائه الكوثر أن يصلي لربه وينحر وقيل له: { قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} سورة الأنعام (162) 3.
الخطبة الثانية:
الحمد لله الذي أكمل لنا الدين، وأتم علينا النعمة، ورضي لنا الإسلام ديناً، والصلاة والسلام على النعمة المسداة، والرحمة المهداة نبينا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
أيها المسلمون: وقفات قصيرة مختصرة نقفها معكم.
أولها: أحمدوا لله - تعالى- على أن أتم عليكم النعمة، ووفقكم لطاعته، ثم أكثروا من الدعاء بأن يتقبل الله منكم صالح الأعمال، وأن يغفر الخطأ والزلل والتقصير.
ثانيها: الفرح بالعيد، لما روي عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: دخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعندي جاريتان تغنيان بغناء، فاضطجع على الفراش، وحول وجهه، ودخل أبوبكر فانتهرني وقال: مزمارة الشيطان عند النبي - صلى الله عليه وسلم- ؟ فأقبل عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فقال:"دعهما"رواه مسلم.
وقد استنبط بعض العلماء من هذا الحديث مشروعية التوسعة على العيال في أيام العيد بأنواع ما يحصل لهم من بسط النفس، وترويح البدن من كلف العبادة، ومنه أن إظهار السرور في الأعياد من شعائر الدين.
ولكن كيف يتسنى لنا الفرح والسرور في العيد ونحن نسمع آهات الثكالى وأنات اليتامى في كل صقع من بلاد المسلمين؟.
وكيف نفرح في هذا اليوم والقدس حزيناً مكبلاً.. وفلسطين قد لبست ثوباً ممزوجاً بدماء الشهداء والجرحى؟.
كيف يتسنى لنا أن نفرح والصليبية الحاقدة الماكرة تفتك بالمسلمين وتحاربهم اقتصادياً وثقافياً وتمكر بهم ليل نهار؟.
بل إن خنجر العدو يخترق صدورنا، ودماء تسيل في كل مكان، ولحومنا تتطاير حتى وصلت أعالي الجبال، وصراخنا لا يسمعه أحد.