يجب أن نعرف ماذا نترجم؟ وكيف نترجم ؟ ولمن نترجم؟ الى جانب إيجاد الحلول للعوائق الماثلة أمام خطاب الترجمة بغض النظر إن كانت مالية ، أو فكرية، أو سياسية ، أو مؤسساتية، أو اجتماعية.وأن نعي أن الترجمة لن تستطيع أن تحل مكان أدبنا الخاص ومعارفنا أو تلغيه إذا كنا على وعي تام أثناء اختيارنا لما نترجمه ، وكيف نترجمه؟ وبذلك ستملأ المواد المترجمة ما لدينا من فراغات وثغرات ، نردم بها الفجوات الرديئة مكونين أرضية أكثر قوة وصلابة تستطيع الحركة الثقافية أن تسير عليها لتلحق بموكب الأمم الأخرى التي سبقتنا في هذا المضمار.
نحن في أمسّ الحاجة الى تغيير المفاهيم والأفكار التي لم تعد صالحة واستحداث منظور جديد لهويتنا الثقافية تتعامل مع المستجدات الطارئة على العالم لتكون طرفا إنسانيا فاعلا في ثقافة البشرية .
المشروع الحضاري دليل تاريخي يوجّه المجتمع ويحدّد الجماعات التي تقبل أن تتلاحم على هدي المبدأ القومي. ...فكيف فقدنا مشروعنا الحضاري؟
منذ ألف عام استبدل الخليفة المعتصم الجيش العربي بجيش تركي قام خلال ربع قرن من ذلك بقتل الخليفة العباسي المتوكل على الله وشطروا سلطة الخلافة إلى سلطة شرعيّة يمثّلها الخليفة العربي وسلطة دنيوية يمارسها السلطان التركي ..وما لبثت كل حامية تركية أن استقلت عن الاخرى فتفكّكت الخلافة وسقط مفهوم الدولة والمجتمع...وتوقفت بذور الحضارة العربية عن النمو وانهارت المؤسسات الثقافيّة بعد أن حوربت لأنها تحدّ من تخريبهم ونهبهم لخيرات الدولة.
وتوالت بعدها الغزوات على الأمة الإسلامية من الصليبيين الى التتار الذين أحرقوا بغداد ودمشق وتم القضاء على الحضارة العربية قضاءا شمل وجودها المادي والمعنوي. واستمرت الخلافات مرورا بحكم المماليك الذين استبسلوا في الدفاع عن الأراضي الإسلامية وتطهيرها من المستعمرات الصليبية، لكنهم كانوا يكرهون العرب وعهدوا بالقيادات إلى مماليك من تركستان.
وعندما جاء العثمانيون عملوا على شدّ وثاق العرب وقمع أيّ تطلع عربي للتحرر القومي قد يعيد الخلافة للعرب، وقاموا يساومون الاستعمار الأوربي على الأرض العربية قطرا بعد قطر لتدخل الأمة العربية مرة أخرى تحت احتلال أوروبي ساهم في انعدام الإرادة الجماعية وفقدان العناصر القوميّة لقيمتها وتفسّخت الثقافة المشتركة وصار التاريخ عامل فرقة بدلا من أن يكون عاملا موحدا للأمة.
التطور الحضاري مطلوب على كل الجبهات لكنه مستحيل إذا لم نقرر غاية مسارنا، والانتماء إلى المستقبل لا يتم دون تحديد الانتماء إلى الماضي ، فهل نحن مستعدون لمثل هذه المهمة، وهل نملك القدرة على إعادة صياغة مفهوم المشروع الحضاري والتخلص من وطأة الاتباع بالموازنة ما بين الماضي الزاهر والحاضر الخلاّق؟
نظرة واحدة إلى جامعات بلادنا العربية تنبؤنا بأن نتاجها الفعلي يقتصر على الأدب والفقه والعلوم المعيشية في حين أن حاضرنا الفكري ما زال رهينا بظاهرة الفكر المستورد من ماضينا السحيق أو الحاضر الغربي، وهكذا تنطلق الأمم من حولنا نحو المستقبل، ونبقى نحن عبيدا للأمس، لم تمتّد إيجابيات الماضي وعناصر الجمال فيه إلى حاضرنا، وذلك يؤكّد على وجود خلل في ما نمارسه من سلوك وما نعتنقه من فكر وما نرسيه من قيم وما ننتمي إليه من خصال .
إن القبح السائد نحن مصدره الوحيد، يعيش وينمو على أخطائنا وخطايانا، ونحن فقط بمقدورنا تغييره ومحو آثاره أفرادا وجماعات برفض السلبية وهّز الأكتاف ومواجهة النفس فكرا وسلوكا، لنضع أقدامنا على بداية الطريق الصحيح لمستقبل أكثر جمالا وبهجة، بواقعية الفعل المدعم بأصالة القيم ونبل السلوك لمواجهة الأفكار المسمومة التي يسرّبها لنا الغرب الذي يدين لنا بالفضل في نجاح محاولاته القضاء على الإسلام عندما حوّلنا كتابنا المقدس من أقوال إلى أفعال، ومن منهج الى تبرّك وزينة فضربونا في الصميم.
ما يصيب الأمة الإسلامية اليوم من أعدائها الظاهرين وممّن يتكلمون بلسانها هو نتيجة حتمية لابتعاد الأمة عن منهج الكتاب والسنة. لا أعرف قائل هذا البيت، لكنه يمثل حال الإسلام في العالم العربي والإسلامي من فلسطين إلى العراق والشيشان وكوسوفا وأفغانستان وأندونيسيا وكشمير:
أنّى نظرت الى الإسلام في بلد...وجدته كالطير مقصوصا جناحاه
إن رسالة الدين الإسلامي هي الإعمار والبناء لأنه يدفع الإنسان لطلب العلم الذي جعله فريضة على كل مسلم ومسلمة..والخروج من وهدة التخلف يعتبر واجبا دينيا لاستعادة العزّة وتمكين المسلمين من تحقيق الضمان لإقامة فرائض الإسلام كلها كما جاء في قوله تعالى"أفلا تتفكرون"- صدق الله العظيم