الخطاب الإعلامي العربي خطاب تضليلي معاد للتنوير الإجتماعي والثقافي والفكر الحرّ، معاد للإنسان العربي لأنه يصمت عن حقوقه المهضومة واضطهاده وقمعه وسحق كرامته، ومعاد للحريّة لأنه انتقائي في دفاعه عنها بينما ويخرس ويصمّ أمام السجون العربية والقتل والتعذيب الذي يتعرض له الإنسان العربي، اللهم الا فلسطين التي يشهرها الإعلام العربي كقميص عثمان حيثما يريد أن يدلو بدلوه في بئر الحريّات المنتهكة .
وهو انتقائي في قراءته للتاريخ العربي ماضيا وحاضرا ولايقف عند المسببّات والأسباب التي قادتنا إلى ما نحن فيه من تمزّق وعجز وتبعيّة، بحجة أن مناقشة المناطق المعتمة من تاريخنا يزيد من عدم ثقتنا بأنفسنا، وبذلك فهو يحوّل التاريخ الى أسطورة وليس علم. هذا كله يقابله حملات إعلامية صهيونيّة تكاد لا تتوقف عن مهاجمة أصحاب الحق الشرعي دون أن يتصدى لها إعلام عربي يفنّد مزاعمها وافتراءاتها.
إنّ الثقافة هي استجابة لتطلعات الجماعة البشرية بما فيها التطلعات الفردية إزاء واقعها الاجتماعي بأبعاده التاريخية وواقعها الطبيعي المادي بقوانينه التي نفهمها والتي لا نفهمها، وخصوصيّة أي ثقافة هي مصدر ثراء لمسيرة الإنسانية ولا يجوز التفريط فيها لأنها إحدى الركائز التي تعتمد عليها هويتها القومية، فهل نأمل بخروج خطاب إعلامي وفق منهج إسلامي سليم يساهم في بناء صرح إعلامي محكوم بقواعد أخلاقية وأسس علمية ، يزوّد الناس بالحقائق ويتحرّى الدقة ويتجنب الخداع والكذب في رواية الأخبار؟ تدفع الوكالات اليهودية أموالا طائلة من أجل برنامج أو دعاية لبضع ثوان على شاشة عالمية لتشويه صورة العرب والمسلمين وكسب الرأي العام العالمي لتأييد قيام دولتها في فلسطين، وكثيرا ما تسعى من أجل كتاب أو معرض أو قانون يؤيد معتقداتها هنا وهناك، مستكملة مسيرتها في احتلال العقل العربي بعد احتلال الأرض ، مع تركنا الساحة للعدو يسرح ويمرح فيها ، فماذا يفعل المال العربي في الخارج ...ونحن نملك مفكرين وشعراء وكتّاب يقفون على أرصفة الموانىء بانتظار من يسأل عن أفكارهم أو يدفع بهم بعيدا عن أوطانهم، بينما نستحلف آلاف السياسيين القافزين على الحبال ألا يبخلوا علينا بسفاهاتهم وتفاهاتهم؟>>
أما آدابنااليوم فهي إما مسروقة من صحف الغرب وآدابهم الحديثة، أو مترجمة عنها مع التصريح بذلك. يأخذ الكاتب قطعة من لغة اجنبية فيبدأ بترجمتها وهو إما أن يشوّه الأفكار فيها لضعفه لغويا أو أنه يقوم بترجمتها فتأتي غير منسّقة أو يحاول أن يكسبها الرونق العربي فيخونه قلمه وتظهر ركيكة المعنى والمبنى، وقد ينسج لها من كلمات اللغة نسيجا يلبسها إياه فيشوهّها وينزع عنها طلاوتها وخفّتها، أما الناقد فلم نرَ حتى الآن نقدا لم تلعب فيه الأهواء دورها إما من حسد أو ابتغاء شهرة .
والصحفي واحد من ثلاثة ، طالب شهرة أو طالب مال أو رجل احترف المهنة لمجرد اللذة والفائدة ، وهذا قليل. أما القارىء فإنه لا يقرأ في الأدب إلا نصوص بتوقيع المشاهير حتى وان كان ما تأنفه العيون، ويترك من لمْ يرَ له أثرا أدبيا حتى وإن كانت كتاباته أحسن بما لا يقاس من كتابة الأديب المشهور ،وذلك فعل الوهم في النفوس وقلة التبصّر في الأمور.
أين منّا أولئك الذين يكتبون ما يعتقدون أنه حقّ، ويجعلون حياتهم فداءا له؟..ما زالت أكفنا بيادر تنتظر أن تلوح في الأفق ألوان حصاد، ولنا في موقف الكاتب صنع الله ابراهيم الذي أعلنه خلال خطاب رفضه تسلم جائزة"ملتقى القاهرة للإبداع الروائي العربي"مثلا يعدّ خرقا للتفاهم بين السلطة والمثقف وتعبيرا عن رفضه للسلام البارد مع إسرائيل، مما أحرج المحيط الثقافي المصري وفي مقدمتهم أعضاء لجنة التحكيم .
المثقفون العرب فإنهم مصابون بانفصام في الشخصية ، القول عندهم غير مرتبط بالفعل وما يتبجحون به لا علاقة له بالواقع وبالحياة، .وعندما يطلقون صيحات الانتصار من حناجرهم فهذا يعني أن الهزيمة آتية لا محالة ، وعندما ندعي بأننا نملك حضارة وثقافة وعلم وفن وشعر أدب رفيع تأتي الوقائع لتكذبنا ولتبرهن لنا بأننا ما زلنا تحت خط الصفر .
العرب الآن في مواجهة حضارة تجارية استهلاكية تهدد تراثنا وتسعى لتدميره، وقد آن الأوان لإقامة خط دفاع ضد هذا الزحف نبدؤه بمصالحة بين الفكر والسياسة في أوطاننا ونعيد بالفكر والساعد ما ضاع منا من عزّة ومنعة قبل أن نختفي من المشهد الحضاري . >>
روي أن الإمام الشافعي دخل في بعض الكور...فاجتمع عليه قوم جهّال..فجعلوا يسألونه فيجيبهم ولا يفهمون ...فانشأ يقول:
أأنثر درّا بين سارحة الغنم
ام أنشر منظوما لراعية الغنم
لعمري لئن ضيعت في شريدة بلدة
فلست مضيعا بينهم غرر الكلم
فإن فرح الله اللطيف بلطفه
وصادفت أهلا للعلوم وللحكم
أبثثت مفيدا واستفدت ودادهم
والا فمخزون لدي ومنكتم
فمن منح الجهال علما أضاعه
ومن منع المستوجبين فقد ظلم >>
الترجمة >>