تلك هي بعض الفوائد التي استفدتها من هذه الأزمة وغيرها، وإن كنت أعلم سلفا أن من الناس من سيقول لقد أجدت جلد الذات وأكثرت اللوم وبالغت في التشاؤم.
والحقيقة أنني أعلم ذلك جيدا وقد قدمت قبل أن خطابي هذا خطاب توبيخ وتقريع وهو لايشمل حتما من ثار لدينه وثأر، ولا من بذل ماله ونفسه في كل ثغر، بل هو للقاعدين أمثالي ممن ابتليت الأمة بهم عددا دون فائدة، فالله المستعان.
فأسأل الله أن يصلح أحوالنا وأن يردنا إليه ردا جميلا.
أيها الفضلاء
إن تقليب المواجع وتأنيب الضمير ومنهج التبكيت والتوبيخ منهج يبعث على شحذ الهمم، وإيقاظ النفس من سبات الغفلة وفيه إبراء للذمة، وإقامة للحجة، ولهذا فعلينا نحن المسلمين حين يقرع مسامعنا شيء من هذا أن ننتفض لله - تعالى -كما انتفض غيرنا ممن أهمهم شأن أمتهم فنقوم ولا نقعد حتى يقضي الله لنا في أمرنا أمرا ويعلم منا صدقا.
إن منهج التقريع فيه قرع لأبواب القلوب لاستثارتها وإشعال لنار الغيرة لإنارتها.
إنه منهج رغم قوة سياطه وحرارتها، وغلظ ألفاظه وقسوتها، إلا أنه ربما يكون أنجع بكثير من أسلوب الثناء المخدِّر الذي أصابنا بتخمة الكماليات وكأننا أهل الله وخاصته فصرنا نظن أننا حملة الدين وحماته في حين أننا قاعدون لم يستفد منا الدين إلا أعدادا.
منهج التوبيخ والمقارنات يجعلنا ننظر لحظِّنا من ديننا وحظه منا، لاسيما ونحن على دين الحق وعقيدة الصدق، في حين أن مواقف أهل الباطل والزيف والزيغ فاقت مواقفنا نصرة لزيغهم وزيفهم وفسادهم بما لا تصح معه المقارنة وللأسف الشديد.
هذا ما بعثني على التوبيخ والتقريع مؤملا أن يكون له أثر فاعل، فجزى الله خيرا الكاتب والقارئ والناقل.
وهذه أبيات كتبتها للتذكير حيال هذا الموضوع وغيره وفيها قلت:
أترى ستنفعُ في القلوبِ عظاتُ؟ *** أم هل ستحسم أمرنا العبرات؟
أم سوف يرفعنا من الذل الذي *** عشنا به التنديد والآهات؟
الأرض منا قد علتها تخمة *** أعدادنا ضاقت بها الجنبات
يا ألف مليون وخمس مئينها *** ولهم بكل فجاجها أنَّات
يا ألف مليون غثاءٌ كلهم *** متشتتون مع الشتات سبات
موتى إذا عبث العدو بدينهم *** أحياء هم لكنهم أموات
وتراهمُ عند الحطام ضياغما *** وكأنها في فتكها الحيات
الذل فيهم ضاربٌ أطنابه *** وله بهم يا ويحه صولات
والوهن شاه الوهن بئس ضجيعهم *** من بطشه يتعذر الإفلات
هم ألف مليون ولكن ليت لي *** من كل ألف واحد إن فاتوا
يا ألف مليون تسنّم ظهره *** الأوغاد والأنذال والعاهات
حتَّام ترضون الدناءة والردى؟ *** وإلام َ هذا الذل والإخبات؟
لا خير في عيش بغير كرامة *** لا خير في دنيا بها أقتات
شمخت فراخ البغي فوق رؤوسنا *** ولهم بوسط جباهنا بصمات
سخروا من القرآن أي مهانة *** خير لحرٍ دون ذاك ممات
بل صوّروا المختار أقبح صورة *** أوّاه مما ضمّت الصفحات
جعلوه رمزا للتخلف والردى *** شتموه حتى بُحَّتِ الأصوات
وعلى بني الإسلام صَبُّوا حقدهم *** غَزَوُا البلاد وهددوا بالناتو
والمسلمون عن المكائد غُيبوا *** الدين يجمعهم وهم أشتات
وحِمَاهُمُ كلأٌ مباحٌ للعدا *** وكأن حق حماهمُ اللعنات
جالَ العدو به وصالَ ولم يجد *** إلا الهوى والتيه والقنوات
بالأمس أفغان الكرامة دُمّرت *** واليوم بغداد لنا وفرات
يا أمة الإسلام هل من عودة *** عجلى فما فوق الرفات رفات
هبوا فدين الله خير تجارة *** أما الحطام فما عليه فوات
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
الإثنين 23/12/1426هـ