فهرس الكتاب

الصفحة 7254 من 9994

كان هذا الرجل يعمل باستمرار على تنفيذ شرع الله وعلى رفع الظلم عن الناس، هذا الفداء الذي أخذه من هذا الملك بنى به (بيماريستان) مستشفى خيرياً كبيراً ومعروف في التاريخ (بيماريستان نورالدين محمود) في دمشق، لم يبن مثله قبله ولا بعده، مستشفى للفقراء والمستضعفين من الناس، يدخل الإنسان فيه يعالج مجاناً ويبقى فيه إلى أن يشفى ويخرج ويهيأ له المأكل والمشرب والدواء وكل الرعاية المطلوبة ولا يدخلها الأغنياء إلا بأجر إلا إذا كان الدواء الذي يحتاج إليه الأغنياء لا يوجد إلا في هذه المستشفى فيسمح لهم بالتداوي به، هذا ما فعله هذا الرجل.

حينما أخذ الغنائم رفع المكوس عن المسلمين، الضرائب التي كانت تؤخذ من الناس، وكان الناس يشكون منها، فرفع عنهم هذه المكوس الجائرة والمبالغة وأعفى الناس منها فدعا الناس له في المشارق والمغارب وقال للعلماء قال لهم: أحلوني من الناس، اطلبوا من الناس أن يحلوني وأن يعفوني مما حدث ومما أخذت منهم قبل ذلك وقولوا لهم أن ما أخذناه منهم والله لم ننفقه إلا في الجهاد في سبيل الله وفي الدفاع عنهم وعن بلادهم وعن أولادهم ونسائهم، فكان العلماء يطلبون ذلك من الناس، يريد الرجل أن يلقى الله وليس في عنقه مظلمة لأحد، وقد طلب من العلماء أن يفتوه بما يحل له من بيت المال، فقالوا له يحل لك كذا وكذا، فكان أحياناً يأخذ هذا القدر فلا يكفيه فيقولون له زد، فيقول والله لا أزيد عما أفتاني به العلماء درهماً ولا ديناراً ويحاول أن يكفي نفسه بهذا القدر القليل ولذلك قالوا كان أقل الفقراء من الناس أعلى منه نفقة، يكتفي بالقليل متقشفاً زاهداً في الدنيا وخزائنها بين الدنيا، وكان له دكاكين اشتراها في حمص من ما يخصه من الغنائم فكان يأخذ منها وكانت تأتي بدخل قليل وطلبته زوجه مرة أن نفقتها قليلة فليزد معاشها أو راتبها أو ما تأخذ، فقال لها: من أين ؟ أتريدين أن أعطيك من بيت مال المسلمين ما لا يحل لك ؟، ثم قال لها أعطيك ثلاث دكاكين تأخذين من غلتها في حمص وهذه الثلاثة دكاكين كانت تأتي في العام بعشرين ديناراً، يعني شيء قليل جداً، فعاش الرجل وعاش أهله في هذا الزهد.

رجل خاف الله فأخاف الله منه كل شيء

مثل هؤلاء هم الذين تنتصر بهم الأمم، هم الذين تنتصر بهم الرسالات، هم الذين تتحقق بهم الغايات، هم الذين ينهزم بهم الأعداء ولذلك كان ذكر نورالدين محمود أمام أعداءه يرعبهم ويقلقهم ويزعجهم ويخافون من ملاقاته إذا لاقوه، لأنه رجل خاف الله فأخاف الله منه كل شيء، كان هذا نور الدين محمود بن زنكي،الذي عاش طول عمره لله وللجهاد في سبيله وللقاء أعداءه ولهذه المعركة التي كرس لها حياته ونذر لها نفسه ونذر لها كل قوته وقوة دولته، هذا هو نور الدين محمود بن زنكي، وهو رجل ينبغي أن ندرس سيرته، ما ذكرته أيها الأخوة ملامح من سيرته مقتطفات

ما صنعه في الحياة الإسلامية

أما سيرة الرجل وما صنعه في الحياة الإسلامية، لقد بنى المدارس التي تعلم الناس، المدارس النورية في كل مكان وخصوصاً في بلاد الشام، مدارس الحديث، أول من بنى مدرسة للحديث هو نور الدين محمود، بنى هذا لأنه لا يمكن أن تقيم الجهاد إلا إذا أصلحت الجبهة الداخلية، إلا إذا أعددت الشعب بالتعليم، هو كان من ناحية يعد الناس للجهاد وينفخ في الشعب من روح الإيمان وينشر العلم والثقافة وينشر العدل بين الناس حتى يكون الناس معك، حتى يقول الناس اللهم انصر فلاناً.

إن كثيراً من حكامنا اليوم يتردد الناس إذا دخلوا معركة أيدعون الله أن ينصرهم أم يدعون الله أن يأخذهم ويريح العباد والبلاد منهم، تتردد ألسنتهم بين الخوف منهم والخوف على بلادهم، أما هذا نورالدين محمود فكان الناس يتمنون أن ينصره الله لأنه إذا انتصر انتصر معه الحق والعدل والخير (ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز، الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور) ، أقول قولي هذا أيها الأخوة وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم وادعوه يستجب لكم.

اصطحاب نية الجهاد

الحمد لله، غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير، واشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، يسبح له ما في السماوات وما في الأرض له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن سيدنا وإمامنا وأسوتنا وحبيبنا ومعلمنا محمداً عبدالله ورسوله البشير النذير والسراج المنير، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه الذين آمنوا به ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه ورضي الله عمن دعا بدعوته واهتدى بسنته وجاهد جهاده إلى يوم الدين، أما بعد،،،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت