لابد أن نتعلم من هؤلاء ماذا صنعوا ؟ يكفينا من هؤلاء رجلان اشتهرا في التاريخ، أولهما هو نور الدين محمود بن زنكي وثانيهما صلاح الدين يوسف بن أيوب، محمود بن زنكي أيها الأخوة كثير من المسلمين يجهلونه ولا يعرفون قيمته في التاريخ،يقول ابن الأثير رحمه الله في كتابه الكامل في التاريخ (لم يعرف بعد عمر بن عبدالعزيز أمير كان مثل نور الدين محمود بن زنكي في عدله وتقواه وزهده وشجاعته وحسن سيرته في الناس) بعد عمر بن عبدالعزيز لم يظهر مثله، هذا الرجل الذي ورث الملك عن أبيه، ورث حلب والموصل والشام وبلاد الجزيرة وأراد بعد ذلك أن يضم إليها مصر لأن مصر مهمة إذا انضمت إلى هذه القوة يمكنها أن تفعل شيئاً في حرب الصليبيين، كان هذا الرجل مثالاً للإنسان المسلم التقي العادل المجاهد، وكان يلقب بالملك العادل وهو عادل فعلاً، أول شيء كانت علاقته بربه على أعظم ما يكون، تعلم العلم وقرأ القرآن والحديث والفقه على المذهب الحنفي، ولكنه لم يكن متعصباً لمذهبه، كان يكرم العلماء من كل المذاهب وكان إذا دخل عليه الأمراء هابوه ووقفوا بين يديه قائمين حتى يأذن لهم بالجلوس، ولكن إذا دخل عليه عالم أو فقيه أو رجل صالح من أفقر الناس قام له وهش له وأجلسه بين يديه أو بجواره، هكذا كان هذا الرجل، كان من العلماء في نفسه، كان كثير القراءة للقرآن والتلاوة له، كان الكثير القراءة للكتب الدينية، أراد أن يفقه نفسه إلى تفقهه على مشايخ عصره وعلى علماء عصره، كان من قوام الليل، كان يقوم الليل ويتضرع إلى الله تبارك وتعالى في سجوده أن يكتب له النصر ويسأله الشهادة، وإن لم يرزق هذه الشهادة، عاش طول عمره يتمنى الشهادة ولكنه قال يبدو أني لست أهلاً لهذه الشهادة ولهذا لم يرزقني الله إياها، ومن حبه للشهادة وسؤاله إياها ورغبته فيها لقبه الناس المسلمون نورالدين محمود الشهيد وهو لم يستشهد ولكن لتعلقه بالشهادة سماه الناس الشهيد، وقد جاء في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم"من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه"روى ذلك مسلم في صحيحه، بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه، عاش نور الدين محمود وهو رجل خاشع لربه متضرع له خائف منه قائماً لليل،صواماً للنهار وكان يقوم الليل هو وزوجته خاتون، حتى أن امرأته أصبحت مرة فوجدها حزينة آسفة فقال لها ما بالك، قالت غلب علي النوم فلم أقم لليل، فأمر أن تقام طبلخانة (مكان للطبل) تأتي قبل الفجر بنحو ساعة أو بنحو ذلك وتضرب الطبل لمن يريد أن يقوم الليل، هذا ما كان يشغل هذا الرجل ويشغل أهل بيته، كان يقرأ الحديث ويتعلمه على أيدي شيوخ الحديث في زمنه وقد أجيز بعلم الحديث، ففي علم الحديث شيء اسمه الإجازة أن يعطيك عالم الحديث إجازة مثل شهادة بأن من حقك أن تروي الحديث، وفي مرة من المرات روى حديثاً مسلسلاً بالابتسام، ما معنى مسلسل بالابتسام ؟ أي أن راوي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال كذا وتبسم، فالصحابي الذي يروي الحديث حينما يروي الحديث يتبسم كما تبسم النبي صلى الله عليه وسلم، أي يروي الحديث قولاً وفعلاً، والتابعي الذي يروي عن الصحابي يقول كذا وتبسم ثم يتبسم هو كما تبسم الصحابي الذي روى عنه، وتابعي التابعي وكل واحد يروي الحديث يبتسم في نهاية الحديث ولما روى نور الدين محمود هذا الحديث لشيخه لم يتبسم فقال له تبسم يا نور الدين حتى تكتمل الرواية قولاً وفعلاً فقال له كيف لي أن أتبسم وثغر من ثغور المسلمين محاصر، كان الصليبيون يحاصرون دمياط فقال له من أين يأتيني الابتسام لا أجد الابتسام على شفتي وثغر من ثغور المسلمين محاصر، انظروا إلى هذه النفسية التي لا تستطيع أن تتبسم في مثل هذا الموقف، لا يجد ابتسامة، إنه مشغول بهموم هذه الأمة، هذا لون من الناس.
نور الدين محمود شخصية فريدة