الأولى منهما: هي: طائفة الأثرياء المترفين، الذين ضعف عند بعضهم الخلق والدين، واستخفوا بقواعد الإيمان ومبادئ الإسلام، يأكلون كما تأكل الأنعام ويشربون شرب الهيم، دون أن يؤدوا واجبا لدينهم أو مجتمعهم، يتعاملون في الشرف على أصول من المعدة، لا من الروح، وإذا عظموا الدينار والدرهم فإنما عظموا النفاق والطمع والكذب، إذ إن حرصهم فوق بصيرتهم، ولهم في النفوس رائحة الخبز، دينهم في مقاييس البشر: خمس وخمس تساوي عشرة، وسجاياهم المتكررة، منع وهات؛ بل هات وهات، لكنهم مع ذلك لا يجدون في المال معنى الغنى، إذ كم من غني يجد وكأنه لم يجد إلا عكس ما كان يجد!
والطائفة الثانية: طائفة المفلسين القعدة الذين استمرؤوا الكسل والبطالة والتشرد، دون مال يملكونه، أو عمل يؤدونه، ومع ذلك يطلقون لأنفسهم العنان في مباءات من الانحلال والمعاصي، فيجمعون بين السوءتين؛ ضلال وإفلاس قبيحين.
إن الذين يكسلون ولا يربحون ثم يتسولون أو يحتالون باسم التكسب أو العيش، ليسوا على سواء الطريق، والذين يحبون المال حبا جما، حتى يعميهم عن دينهم وأخلاقهم وخلواتهم القلبية وخلواتهم الروحية، ليسوا على سواء الطريق أيضا، إذ (كلا طرفي قصد الأمور ذميم) ، وخير الأمور الوسط، والوسط ما قاله رسول الهدى: (( نعم المال الصالح للرجل الصالح ) )رواه أحمد [7] .
فرحم الله عبدا كسب فتطهر، واقتصد فاعتدل، وذكر ربه ولم ينس نصيبه من الدنيا. ويا خيبة من طغى ماله عليه، وأضاع دينه وكرامته! وكان من الذين قال الله فيهم: وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّواْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً [الجمعة:11] .
عباد الله، إن المال غادٍ ورائح، ومقبلٌ ومدبرٌ، وما هو إلا وسيلة للإنفاق والبذل، كما قال رسول الله: (( أفضل الصدقة ما كان عن ظهر غنى ) )رواه البخاري ومسلم [8] .
ولا يليق بالرجل القادر، أن يرضى لنفسه، أن يكون حِمْلاً على كاهل المجتمع، ثقيلا مرذولا، وأن يقعد فارغا من غير شغل، أو أن يشتغل بما لا يعنيه، إن هذا لمن سفه الرأي، وسذاجة العقل، والجهل بآداب الإسلام، قال عمر: (إني أرى الرجل فيعجبني شكله، فإذا سألت عنه فقيل لي: لا عمل له، سقط من عيني) .
إن العمل، مهما كان حقيرا فهو خير من البطالة، وخير من سؤال أحد من ذوي المال؛ إن أعطاه فقد حمل ثقل المنة مع ذُلّ السؤال، وإن منعه فقد باء بذل الخيبة مع ذل السؤال. والعز بلا سؤال، ألذ من كل لذة بسؤال، والخروج عن ربقة المنن ولو بسف التراب أفضل، وإن نفس الحر لتحتمل الظما، حتى لقد قال الفاروق: (مكسبة في دناءة خير من سؤال الناس) .
ولقد قال لقمان لابنه: (يا بني، استغن بالكسب الحلال، فإنه ما افتقر أحد إلا أصابته إحدى ثلاث خصال: رقة في دينه، أو ضعف في عقله، أو وهاء في مروءته وأعظم من هذا، استخفاف الناس به) .
ولا خير في نيل من ماله عزيز النوال بذل السؤال.
وصلوات الله على المبعوث رحمة للعالمين، حيث يقول: (( اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والبخل، وغلبة الدين وقهر الرجال ) )أخرجه النسائي وأبو داود [9] ، ويقول: (( اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع ) )أخرجه النسائي وأبو داود [10] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم...
[1] صحيح البخاري ح (1295) ، صحيح مسلم ح (1628) .
[2] حسن، مسند أحمد (2/160) ، وصحيح مسلم ح (996) .
[3] مسند أحمد (1/30) ، سنن الترمذي ح (2344) ، وقال: حديث حسن صحيح.
[4] صحيح، مسند أحمد (2/540) وتمامه: (( ... وأن تظلم أو تُظلم ) ).
[5] صحيح، مسند أحمد (5/36) ، وأخرجه النسائي ح (1347) والحاكم (1/35) وقال: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي والألباني . تمام المنّة ص233.
[6] صحيح البخاري ح (1429) ، صحيح مسلم ح (1033) .
[7] صحيح، مسند أحمد (4/197) .
[8] صحيح البخاري ح (5356) ، صحيح مسلم ح (1034) .
[9] صحيح، سنن النسائي ح (5453) ، سنن أبي داود ح (1555) .
[10] حسن، سنن أبي داود ح (1547) ، سنن النسائي ح (5468) . ... ... ...
الخطبة الثانية ... ... ...
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تعظيما لشأنه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، الداعي إلى رضوانه صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه وإخوانه.
أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن الإسلام رغب في العمل والكسب الحلال، والاتجار في جمع المال؛ فقد سئل رسول الله: أي الكسب أفضل قال: (( عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور ) )رواه الطبراني وهو صحيح [1] ، وقال: (( ما أكل أحد طعاما خيرا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده ) )رواه البخاري [2] . وثبت عنه في صحيح مسلم أنه قال: (( كان زكريا عليه السلام نجارا ) ) [3] .
وروى الترمذي وابن ماجة بسند حسن عن النبي أنه قال: (( التاجر الصدوق الأمين، مع النبيين والصديقين والشهداء ) ) [4] .