يحكى أن إبليس-لعنه الله- عرض ليحيى بن زكريا عليهما الصلاة والسلام-، فقال له يحيى: هل نلت مني شيئاً قط؟ قال: لا. إلا أنه قُدِّم إليك الطعام ليلة فشَهَّيته إليك حتى شبعت منه. فنمت عن وردك. فقال يحيى: الله عليَّ أن لا أشبع من طعام أبداً. فقال إبليس: وأنا، لله عليّ أن لا أنصح آدمياً أبداً (25) .
فوائد الحديث:
1-السلامة من الأمراض والأسقام؛ لأن أصل كل داء التخم.
2-قلة الغذاء توجب رقة القلب، وقوة الفهم.
3-قلة الغذاء توجب إنكسار النفس، وضعف الهوى والغضب.
4-كثرة الغذاء توجب قساوة القلب، وضعف الفهم، وقوة النفس والهوى والغضب.
5-قلة الطعام عون للعبد على التسرع إلى الخيرات.
6-قلة الأكل يندي العينان.
7-قلة الطعام ينور القلب.
8-إذا أردت أن يصح جسمك، ويقل نومك، فأقل من الأكل.
وأخيراً:
إن ما قُدم من أحاديث, وأقوال في التقليل من الطعام، وما ينتج عن امتلاء البطن من أمراض للجسد، والقلب، وما يحرمه الإنسان من الخيرات، فإن ذلك لا يمنع الإنسان من أن يشبع أحياناً، كما في حديث جَابِر-رَضِي اللَّه عَنْه-قَالَ: (...فَلَمْ يَزَلْ يَكْسِرُ الْخُبْزَ وَيَغْرِفُ حَتَّى شَبِعُوا، وَبَقِيَ بَقِيَّةٌ، قَالَ:"كُلِي هَذَا، وَأَهْدِي فَإِنَّ النَّاسَ أَصَابَتْهُمْ مَجَاعَةٌ) (26) ."
فهذا الحديث دليل على أن القوم أكلوا حتى شبعوا، والشبع هنا جائز، لا يقول أحد بكراهته، إلا إذا أدى إلى تخمة تمرض الإنسان، أو تهلكه.
فإذا وصل الطعام إلى درجة فوق الشبع، فإنه يكون مكروهاً؛ لأنه في هذه الحال سيثقله عن أداء العبادة، وعن القيام بحقوق أهله وأولاده، وشؤون بيته وعمله؛ لأنه لا يستطيع الحركة إلا بصعوبة، بسبب الأكل الكثير، وربما كان هناك شيء من التعب جراء الأكل الزائد، وقد جاء في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ-رَضِي اللَّه عَنْه-قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ-صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:"يَأْكُلُ الْمُسْلِمُ فِي مِعًى وَاحِدٍ، وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ". فالكفار يأكلون لا يشبعون ولا يذكرون الله-عز وجل-، ولو أن الإنسان دقق في أكل بعض الكفار لوجد فعلاً أنهم يأكلون أكلاً أكثر مما يأكل كثير من المسلمين، وتتعجب أين يذهب هذا الطعام، ليس في طعامهم بركة، قال تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ) (محمد: من الآية12) .
أخي الكريم:
إن ديننا يذم الشره، والإكثار من الأكل, ويحثنا على الاكتفاء من الطعام بالقليل، فإن ذلك أفضل للمؤمن، وأليق به؛ لأن القناعة باليسير وبما حضر من أمور الدنيا، هي حال المؤمن، الموقن بأنه في سفر ما يلبث أن يستريح من عنائه، أما شدة الحرص على ملاذ الدنيا من طعام وغيره ، فهي حال الكافر، ولا يليق بالمؤمن أن يتشبه بالكافر، بل يحرم عليه ذلك" (27) ."
1 -وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير (5675) .
2 -البردة: هي التخمة.
3 -زاد المعاد (4/104) .
4 -رواه الطبراني في"الكبير"والبيهقي في"دلائل النبوة" (6/160-161) ،
5 -رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح ، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير (5675) .
6 -البخاري (5393) . ومسلم (2060) .
7 -البخاري (5392) ، ومسلم (2058) والترمذي (1820) . وليس عندهم"طعام الواحد يكفي الاثنين".
8 -جامع العلوم والحكم (2/475) .
9 -مسند أحمد (4/420) .وغيره وقال الأرناؤوط: رجاله رجال الصحيح.
10 -المصدر السابق (2/469) .
11 -الحلية" (2/315) ."
12 -جامع العلوم والحكم (2/471) .
13 -راجع: كتاب الزهد للإمام أحمد ص (189) .
14 -رواه أبو نعيم في"الحلية" (5/156) .
15 -المصدر السابق (7/7) .
16 -رواه البيهقي في آداب الشافعي" ص (106) . ، وأبو نعيم في"الحلية" (9/127) ."
17 -جامع العلوم والحكم (2/471) .
18 -الآداب الشرعية (3 / 336) .
19 -راجع: مدارج السالكين (1/493) .
20 -جامع العلوم والحكم (2/469) .
21 -"الحلية" (2/351) .
22 -جامع العلوم والحكم (2/474) .
23 -الآداب الشرعية (3 / 336) .
24 -الحلية" (8/318) ."
25 -راجع: مدارج السالكين (1/493)
26 -"متفق عليه."
27 -إهداء الديباجة (3 / 416) .