فهرس الكتاب

الصفحة 7167 من 9994

وقال المروذي: جعل أبو عبد الله: يعني أحمد يعظم أمر الجوع والفقر، فقلت له: يؤجر الرجل في ترك الشهوات، فقال: وكيف لا يؤجر، وابن عمر يقول: ما شبعت منذ أربعة أشهر؟ قلت لأبي عبد الله: يجد الرجل من قلبه رقة وهو يشبع؟ قال: ما أرى (10) .

قال محمد ابن واسع:"من قل طعامه، فهم، وأفهم، وصفا، ورق، وإن كثرة الطعام ليقل صاحبه عن كثير مما يريد" (11) .

وعن ابن الأعرابي قال:"كانت العرب تقول: ما بات رجل بطيناً فتم عزمه"

وعن أبي سليمان الداراني قال:"إذا أردت حاجة من حوائج الدنيا والآخرة فلا تأكل حتى تقضيها، فإن الأكل يغير العقل".

وقال أحد العلماء:"كانت بلية أبيكم آدم-عليه السلام-أكلة، وهي بليتكم إلى يوم القيامة. قال: وكان يقال: من ملك بطنه، ملك الأعمال الصالحة كلها، وكان يقال: لا تسكن الحكمة معدة ملأ".

وعن عبد العزيز بن أبي رواد قال: كان يقال: قلة الطعم عون على التسرع إلى الخيرات.

وعن إبراهيم بن أدهم قال: من ضبط بطنه، ضبط دينه، ومن ملك جوعه، ملك الأخلاق الصالحة، وإن معصية الله بعيدة من الجائع، قريبة من الشبعان، والشبع يميت القلب، ومنه يكون الفرح والمرح والضحك" (12) ."

مرض الجسد من ملئ البطن والعكس:

إن النبي-صلى الله عليه وسلم-لم يكن ينطق عن الهوى، بل هو وحي يوحى، وإن عهد النبي-صلى الله عليه وسلم- لم تكن فيه أجهزة يستكشف بها الداء، ويوضع له الدواء،ومع ذلك يصف لنا رسول الله الداء والدواء,إن هو إلى وحي يوحى، فصحة الجسد تكمن في التقليل من الأكل كما جاء في الحديث السابق، وكما روي عن الأطباء والعلماء فيقول الحارث بن كلدة طبيب العرب:"الحِمية رأس الدواء، والبِطنةُ رأسُ الداء".

وقد روى المروذي عن أبي عبد الله قول ابن عمر هذا من وجوه، فروى بإسناده عن ابن سيرين، قال: قال رجل لابن عمر: ألا أجيئك بجوارش؟ قال: وأيُّ شيء هو؟ قال: شيءٌ يهضم الطعام إذا أكلته، قال: ما شبعتُ منذ أربعة أشهر، وليس ذاك أني لا أقدر عليه، ولكن أدركت أقواماً يجوعون أكثرَ مما يشبعون" (13) ."

وروي عن عمرو بن الأسود العنسي أنَّه كان يدعُ كثيراً من الشبع مخافة الأشر (14) .

وعن عثمان بن زائدة قال: كتب إليَّ سفيان الثوري: إن أردت أن يصحَّ جسمك، ويقلَّ نومك، فأقلَّ من الأكل (15) .

وعن الشافعي، قال: ما شبعتُ منذ ستَّ عشرة سنة إلاشبعة اطرحتها؛ لأن الشبع يُثقِلُ البدن، ويزيل الفطنة، ويجلب النوم، ويضعف صاحبه عن العبادة (16) .

وعن أبي عبيدة الخواص، قال: حتفك في شبعك، وحظك في جوعك، إذا أنت شبعت ثقلت، فنمت، استمكن منك العدو، فجثم عليك، وإذا أنت تجوعت كنت للعدو بمرصد.

وعن بعض العلماء قال: إذا كنت بطيناً ، فاعدد نفسك زمناً حتى تخمص (17) .

قال لقمان لابنه:"يا بني، لا تأكل شيئاً على شبع، فإنك إن تتركه للكلب، خير لك من أن تأكله" (18)

مرض القلب من ملئ البطن والعكس:

قال ابن القيم-رحمه الله- وهو يتحدث عن مفسدات القلب فيقول من مفسدات القلب: الطعام، ثم يستدرج في ذلك فيقسمه إلى قسمين: الأول ما يفسده لعينه وذاته, والثاني: ما يفسده بقدره: وتعدي حده، كالإسراف في الحلال، والشبع المفرط، فإنه يثقله عن الطاعات، ويشغله بمزاولة البطنة ومحاولتها، حتى يظفر بها. فإذا ظفر بها شغله بمزاولة تصرفها ووقاية ضررها، والتأذي بثقلها، وقوى عليه مواد الشهوة، وطرق مجاري الشيطان ووسعها، فإنه يجري من ابن آدم مجرى الدم. فالصوم يضيق محاربه ويسد عليه طرقه، والشبع يطرقها ويوسعها. ومن أكل كثيراً شرب كثيراً. فنام كثيراً. فخسر كثيراً. وفي الحديث"ما ملأ آدمي وعاءاً شراً من بطنه" (19) .

وأما منافعه بالنسبة إلى القلب وصلاحه، فإن قلة الغذاء توجب رقة القلب، وقوة الفهم، وانكسار النفس، وضعف الهوى الغضب، وكثرة الغذاء توجب ضد ذلك (20) .

فعن عمرو بن قيس أنه قال:"إياكم والبطنة فإنها تقسي القلب" (21) .

وعن قثم العابد قال: كان يقال: ما قلَّ طعامُ امرىءٍ قطُّ إلا رقَّ قلبه، ونديت عيناه""

وقال أبو سليمان الداراني:"إن النفس إذا جاعت وعطشت، صفا القلب ورقّ، وإذا شبعت ورويت، عمي القلبُ" (22) .

قال الفضيل بن عياض-رحمه الله-:"ثنتان تقسيان القلب: كثرة الكلام، وكثرة الأكل" (23)

وقال الحسن بن يحي الخشني:"من أراد أن تغزر دموعه، ويرق قلبه، فليأكل، وليشرب في نصف بطنه، قال أحمد بن أبي الحواري: فحدثت بهذا أبا سليمان، فقال: إنما جاء الحديث:"ثلث طعام, وثلث شراب"، وأرى هؤلاء قد حاسبوا أنفسهم، فربحوا سدساً" (24) .

سئل الإمام أحمد عن قول النبي-صلى الله عليه وسلم-:"ثلث للطعام، وثلث للشراب، وثلث للنفس"فقال: ثلث للطعام: هو القوت، وثلث للشراب، هو القوى، وثلث للنفس: هو الروح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت