فهرس الكتاب

الصفحة 6933 من 9994

وجه النبي الأعمى بدافع من رحمته، وبحرص منه على أن يستجيب الله تعالى دعاءه فيه، وجهه إلى نوع من التوسل مشروع، وهو التوسل بالعمل الصالح، ليجمع له الخير من أطرافه، فأمره أن يتوضأ ويصلي ركعتين، ثم يدعو لنفسه، وهذه الأعمال طاعة لله سبحانه وتعالى، يقدمها بين يدي دعاء النبي له، وهي تدخل في قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة [المائدة:35] .

وهكذا لم يكتف النبي بدعائه للأعمى الذي وعده به، بل شغله بأعمال فيها طاعة الله سبحانه وتعالى وقربة إليه، ليكون الأمر مكتملا من جميع نواحيه وأقرب إلى القبول والرضا من الله سبحانه وتعالى.

4-أن في الدعاء الذي علمه رسول الله إياه أن يقول: (( اللهم فشفعه فيّ ) )وهذا يستحيل حمله على التوسل بذاته أو جاهه أو حقه، إذ أن المعنى: اللهم اقبل شفاعته فيّ، أي اقبل دعاءه في أن تردّ عليّ بصري.

والشفاعة لغة: الدعاء، وهو المراد بالشفاعة الثابتة له ولغيره من الأنبياء والصالحين يوم القيامة، وهذا سببه أن الشفاعة أخص من الدعاء.

5-إن مما علّم النبي الأعمى أن يقول: (( وشفعني فيه ) )أي اقبل شفاعتي أي دعائي في أن تقبل شفاعته أي دعاءه في أن ترد علي بصري.

6-إن هذا الحديث ذكره العلماء في معجزات النبي ودعائه المستجاب، وما أظهره الله ببركة دعائه من الخوارق والإبراء من العاهات، فإنه بدعائه لهذا الأعمى أعاد الله عليه بصره، ولذلك رواه المصنفون في دلائل النبوة، فهذا يدل على أن السر في شفاء الأعمى إنما هو دعاء النبي ، ويؤيده أنه لو كان السر في شفاء الأعمى أنه توسل بجاه النبي وقدره وحقه، لكان من المفروض أن يحصل هذا الشفاء لغيره من العميان الذين يتوسلون بجاهه بل يضمون إليه أحيانا جاه جميع الأنبياء والمرسلين، وكل الأولياء والشهداء والصالحين، وجاه كل من له جاه عند الله من الملائكة والإنس والجن أجمعين، ولم نعلم ولا نظن أحدا قد علم حصول مثل هذا خلال هذه القرون الطويلة بعد وفاة النبي إلى اليوم، ولو كان هذا حقا ما بقي أعمى أبدا، لأن كل أعمى سيدعو بهذا الدعاء، وسيتوجه إلى الله بنبيه.

وإذا تبين هذا أن قول الأعمى في دعائه: (( اللهم إني أسألك وأتوسل إليك بنبيك محمد ) )إنما المراد به أتوسل إليك بدعاء نبيك، أي على حذف مضاف، كما في قوله تعالى: واسأل القرية [يوسف:82] .

أي أهل القرية وأصحاب العير.

وتبين أيضا أن من التوسل المشروع:

التوسل بدعاء الصالحين.

التوسل بالعمل الصالح، ويشهد له حديث عمر بن الخطاب قال: سمعت رسول الله يقول: (( انطلق ثلاثة نفر ممن كان قبلكم حتى آواهم المبيت إلى غار فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل فسدّت عليهم الغار، فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله تعالى بصالح أعمالكم، قال رجل منهم: اللهم كان لي أبواب شيخان كبيران، وكنت لا أغبق قبلهما أهلا ولا مالا، فنأى بي طلب الشجر يوما فلم أرح عليهما حتى ناما، فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين، فكرهت أن أوقظهما وأن أغبق قبلهما أهلا أو مالا، فلبثت والقدح على يدي انتظر استيقاظهما حتى برق الفجر، والصبية يتضاغون عند قدمي، فاستيقظا فشربا غبوقهما، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة، فانفرجت شيئا لا يستطيعون الخروج منه.

قال الآخر: اللهم إنه كانت لي ابنة عم، وكنت أحبها كأشد ما يحب الرجال النساء، فأردتها على نفسها فامتنعت مني، حتى ألمت بها سنة من السنين، فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها، ففعلت، فلما قعدت بين رجليها قالت: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه. فانصرفت عنها وهي أحب الناس إلي، وتركت الذهب الذي أعطيتها. اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها.

وقال الثالث: اللهم استأجرت أجراء، وأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب، فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال، فجاءني بعد حين فقال: يا عبد الله أد إلي أجري، فقلت: كل ما ترى من أجرك: من الإبل والبقر والغنم والرقيق، فقال: يا عبد الله لا تستهزئ بي! فقلت: لا أستهزئ بك، فأخذه كله فاستاقه فلم يترك منه شيئا. اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون )) .

ج- التوسل بأسماء الله الحسنى، وصفاته العلى، كأن يقول المسلم في دعائه: اللهم إني أسألك بأنك أنت الرحمن الرحيم، اللطيف الخبير، أو يقول: اللهم يا رزّاق ارزقني، يا شافي اشفني، ونحو ذلك.

قال تعالى: ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها [الأعراف:180] .

وسمع النبي رجلا يقول: اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد.

فقال: (( لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب ) ).

تنبيه:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت