فهرس الكتاب

الصفحة 6882 من 9994

فالسفر لزيارة الإخوان في الله -لا في النسب- من القربات الكبيرة عند الله سبحانه وتعالى، لأن من يقوم به يتجشم المتاعب والأخطار لا لشيء وإنما لزيارة أخ له جمعه به الإسلام. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من عاد مريضاً أو زار أخا ً له في الله ناداه مناد أن طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلاً"14. وإذا كان الحب بين الإخوة في الله ولله فهذا يكون أرقى حب وأسماه لأنه تجرد من جميع الشوائب التي قد تغيره وتضعفه، وصاحبه يكون ممن يحبهم الله تعالى ومن أحبه الله فقد فاز بنعيم الدنيا والآخرة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم:"أن رجلاً زار أخاً له في قرية أخرى فأرصد الله له على مدرجته ملكاً فلما أتى عليه قال: أين تريد: فذكر أنه يريد زيارة أخيه في الله، قال: هل لك عليه من نعمة تربها قال: لا غير أني أحببته في الله عز وجل، قال: فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه"15.

هذه بعض أنواع سفر الطاعة وهناك الكثير من الأنواع التي إذا أريد بها وجه الله تعالى وكانت نيتها خالصة لوجهه تعالى كانت من سفر الطاعة.

النوع الثاني من أنواع السفر: سفر المعصية:

وسفر المعصية هو السفر الذي تكون فيه نية المسافر القيام بعمل نهى الشارع عنه نهياً قطعياً جازماً ونفر منه الشارع ومن القيام به، ورتب على القيام به عقوبة شرعية تقع على من قام بهذا العمل وهذه العقوبة إما دنيوية من حد أو قصاص، أو تعزير، وإما أخروية بما يكتسبه الإنسان من إثم وسيئات تهلكه وتدخله نار جهنم والعياذ بالله. وهناك العديد من الأمثلة التي يمكن سردها للدلالة على ما مضى الآتي:

1: الخروج إلى البراري والفلوات والجبال، من أجل التقطع والسرقة ونهب أموال الناس بالباطل:

فهذا الخروج من المنكرات ومن أكبر المعاصي التي قد حد لها الشرع حداً، وعقوبة زجرٍ لمن يقوم بمثل هذه الأعمال التي لا يرضاها عقل ولا دين، وتنشر الخوف والذعر بين الناس وعدم الطمأنينة يقول تعالى: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساد أن يقتلوا.. الآية} لمائدة: 33، فكانت هذه الآية حداً قوياً وزاجراً لكل من تسول له نفسه الخروج إلى مثل تلك الأماكن للنهب والسلب والقتل، وذلك لأن الدين الإسلامي كفل حماية النفس والمال والعقل والعرض والدين، وعظم قدرها بل وكل شريعة، تعظمها، لذلك فهذا السفر والخروج والمشقة التي يلاقيها صاحبه كله معصية كبرى لله سبحانه وتعالى.

2: السفر للتجارة بالمحرمات:

التجارة أمر مشروع ورغب فيها الشارع الحكيم، وكذلك السفر للتجارة من مدينة أو دولة لأخرى فقد سافر رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى الشام للتجارة في مال أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها: فكان هذا السفر مباحاً، ولكن إذا كان السفر للتجارة بأشياء محرمة فإن هذا السفر لهذه التجارة مهما قل أو كثر تكون له أضراره الملموسة على الفرد والمجتمع.

ثالثا ً: السفر المباح:

هذا السفر يختلف عن غيره من الأسفار المذكورة سابقاً؛ وذلك لأن حكم على هذا النوع يرجع مباشرة إلى حكم المقصد الذي أنشأ من أجله المسافر سفره، فإن كانت نية المسافر مقصده من السفر طلب العلم أو المسافر للتجارة بالمحرمات خرج حكم هذا السفر عن كونه مباحاً إلى حكم تلك الأسفار على ما مرّ آنفاً وإن السفر مثلاً:

1: لطلب الرزق والتجارة المشروعة:

فطلب الرزق من الأمور المشروعة والمباحة لكل فرد ليدفع به الضرر أو الجوع عن نفسه وعن من يعول من أفراد أسرته، قال الله تعالى: {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} سورة الملك: 15. فـ( إذا كان قصده بطلب المال مثلاً: التعفف عن السؤال ورعاية ستر المروءة على الأهل والعيال، والتصدق فيما يفضل عن مبلغ الحاجة صار هذا المباح بهذه النية من أعمال الآخرة 16 فالنية هنا لها دور كبير في تعيين حكم السفر من حيث الوجوب أو الندب أوالحرمة أو بقاؤه على أصل الإباحة. ومن الأمثلة أيضاً:

2: السفر للوظيفة:

من المعروف أن أغلب الأسفار تكون باختيار المسافر نفسه للقيام بأي الأعمال التي تهمه، ولكن قد يحث وأن يسافر الإنسان تنفيذا ًلأمر يطلب من قبل الجهة التي يعمل بها وذلك كالبعثات الدبلوماسية والملحقات العسكرية والثقافية، ومندوبي الشركات وممثليها وغيرهم ممن يقومون بأعمال توكل إليهم أثناء سفرهم، فهذا النوع مثل غيره من سفر الإباحة، وقد يكون واجباً إذا كان فيه خدمة لدين الله أو دفع ضر عن الإسلام والمسلمين. فإذا كان هذا السفر بعيداً عن المحرمات وعن الشبهات ومحارم الناس وأعراضهم، فإنه مباح كغيره لكونه من الأعمال المباحة التي أباحها الله تعالى.

3: السفر للسياحة والتنزه:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت