إن المشابهة في الظاهر تورث نوع مودة ومحبة وموالاة في الباطن,كما أن المحبة في الباطن تورث المشابهة في الظاهر, وهذا أمر يشهد به الحس والتجربة, حتى إن الرجلين إذا كانا من بلد واحد ثم اجتمعا في دار غربة كان بينهما من المودة والموالاة والائتلاف أمر عظيم, وإن كانا في مصرهما لم يكونا متعارفين أو كانا متهاجرين؛ وذلك لأن الاشتراك في البلد نوع وصف اختصا به عن بلد الغربة, بل لو اجتمع رجلان في سفر أو بلد غريب وكانت بينهما مشابهة في العمامة أو الثياب أو الشعر أو المركوب ونحو ذلك لكان بينهما من الائتلاف أكثر مما بين غيرهما, وكذلك تجد أرباب الصناعات الدنيوية يألف بعضهم بعضا مالا يألفون غيرهم, حتى إن ذلك يكون مع المعاداة والمحاربة إما على الملك وإما على الدين, وكذلك تجد الملوك ونحوهم من الرؤساء وإن تباعدت ديارهم وممالكهم بينهم مناسبة تورث مشابهة ورعاية من بعضهم لبعض, وهذا كله بموجب الطباع ومقتضاها, إلا أن يمنع عن ذلك دين أو غرض خاص, فإذا كانت المشابهة في أمور دنيوية تورث المحبة والموالاة فكيف بالمشابهة في أمور دينية؟!! إن إفضاءها إلى نوع من الموالاة أكثر وأشد والمحبة والموالاة لهم تنافي الإيمان, قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (51) سورة المائدة.
إن المسلمين -أيها الناس- أهدى الناس طريقًا, وأقومهم سبيلاً, وأرشدهم سلوكًا في هذه الحياة، وقد أقامهم الله تعالى مقام الشهادة على الأمم كلها، قال سبحانه: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } (143) سورة البقرة.
فكيف يتناسب مع ذلك أن يكون المسلمون أتباعًا لغيرهم من كل ناعق، يقلدونهم في عاداتهم، ويحاكونهم في أعيادهم وتقاليدهم؟!! ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهى المسلمين جميعًا أن يتلقوا عن أهل الكتاب، فعن جابر أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنهما- أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- بكتابٍ أصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه عليه، فغضب رسول الله-صلى الله عليه وسلم-ثم قال:"أوَفي شكٍّ يا ابن الخطاب؟! لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبرونكم بحقٍ فتكذبوا به، أو بباطل فتصدقوا به, والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيًا ما وسعه إلا أن يتبعني"
لقد جاءت أوامر الشريعة -يا عباد الله- ناهيةً عن كل ما فيه مشابهة حتى في أخص عبادات المسلمين ومعاملاتهم، أفيرضى عاقل بعد ذلك أن يوافق اليهود أو النصارى أو غيرهم في أعيادهم وأكاذيبهم؟!
لما صلى رسول الله في مرضه جالسًا وصلى خلفه الصحابة قيامًا أشار إليهم فقعدوا، فلما سلموا قال:"إن كدتم آنفًا تفعلون فعل فارس والروم، يقومون على ملوكهم وهم قعود، فلا تفعلوا، ائتمّوا بأئمتكم"ولما كثر الناس بالمدينة اهتم النبي -صلى الله عليه وسلم- للصلاة كيف يجمع الناس لها؟ فقيل له: انصب راية عند حضور الصلاة فإذا رأوها آذن بعضهم بعضا, فلم يعجبه ذلك, قال: فذكر له القنع -يعني البوق كما في رواية البخاري- فلم يعجبه ذلك وقال:"هو من أمر اليهود!"قال: فذكر له الناقوس فقال:"هو من أمر النصارى"إلى أن أُرِي عبد الله بن زيد الأذان في منامه.
ولما جاء عمرو بن عبسة السلمي -رضي الله عنه- إلى رسول الله ليخبره عن الصلاة، قال له:"صل صلاة الصبح ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس حتى ترتفع؛ فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار", ثم قال:"وصل العصر بعد الفيء ثم أقصِر عن الصلاة حتى تغرب الشمس، فإنها تغرب بين قرني شيطانٍ وحينئذٍ يسجد لها الكفار"، فنهاه النبي عن الصلاة وقت طلوع الشمس ووقت غروبها؛ لأنه وقت يصلي فيه الكفار.
عباد الله:
لابد قبل الختام من التنبيه إلى أن المقصود بعدم التشبه به من أعمال وأخلاق الكافرين هو ما يكون بسببه اندثار الدين والقضاء على الشريعة وفساد الأخلاق, وما يتعارض مع أحكام الإسلام، وما فيه ذلة واستكانة واحتقار للمؤمنين، وأما ما لم يكن كذلك فلا يمنع الشارع منه كالمشاريع التي تعود بالخير والفائدة على الإسلام والمسلمين في المجال الصناعي والتكنولوجي والخبرات المهنية وغيرها.
هذا وصلى الله وسلم على البشير النذير, والسراج المنير, الذي أرسله الله رحمةً للعالمين، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
انظر:سنن أبي داود حديث رقم 4031 (2/441) قال الشيخ الألباني: (صحيح) كما في صحيح الجامع رقم: 2831.
رواه الترمذي برقم 2695 (5/56) , وحسنه الألباني في صحيح الجامع برقم: 5434 .
رواه مسلم برقم 2742 (4/2098) وأحمد برقم11185 (3/22) .
الدر المنثور للسيوطي (6/282) ط: دار الفكر - بيروت، 1993