بل وصل الأمر إلى أن تجد بعضهم يستسهل تهنئتهم بأعيادهم ومناسباتهم، يقول ابن القيم-رحمه الله-:"وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به فحرام بالاتفاق مثل أن يهنئهم بأعيادهم وصومهم فيقول: عيد مبارك عليك أو تهنأ بهذا العيد ونحوه فهذا إن سلم قائله من الكفر فهو من المحرمات وهو بمنزلة أن يهنئه بسجوده للصليب، بل ذلك أعظم إثماً عند الله، وأشد مقتا من التهنئة بشرب الخمر وقتل النفس وارتكاب الفرج الحرام ونحوه". انتهى.
ومن التشبه الخطير -أيها الناس-: تقليد الكفار بلباسهم، ويا لله؛ هذا بحر لا ساحل له، ألوانه شتى، ونماذجه هنا وهناك، نرى بأم أعيننا محاكاتهم للكفار وتقليدهم فيها. إنك لتأسى عندما ترى عددًا من شباب الأمة الذين هم أملها يتشبهون بالكفار في لباسهم، بل يشهرونها ويعدّونها تحضرا ومدنية وأناقة وتقدمية. انظر إلى قبعاتهم التي يرتدونها على رؤوسهم وسراويلهم الضيقة التي تصف العورة, ألا فليعلم هؤلاء أن هذه من خصائص بني يهود في لباسهم، وانظر إلى فنايلهم التي تعجّ بالكلمات الأعجمية وقد يكون منها ما هو دعوة للزنا أو الحرام وهو لا يعلم، بل يعلق بعضهم على صدره صور أهل الفسق والمجون وغير ذلك من الموديلات القديمة والحديثة، والله المستعان.
فأين هؤلاء من رسول الله!! كما في صحيح مسلم عندما رأى على رجل ثوبين معصفرين قال له:"إن هذه ثياب الكفار فلا تلبسها". وهذا فاروق الأمة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- كتب للمسلمين وهم بأذربيجان: (إياكم والتنعم وزي أهل الشرك) .
وإن مما انتشر بين المسلمين من صور التشبه الممقوت تعلم لغة الكفار من أجل الشهرة لا من أجل الدعوة، وسبحان ربي! أصبح بعض المسلمين يحيي بها ويختم لقاءه بها، بل بدأت بعض كلماتهم تتخلل بعض كلمات المسلمين، وكأنه يرى هذا تمدّنا وتقدما، سبحان الله! أين هؤلاء من قول عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: (إياكم ورطانة الأعاجم) ؟! والسلف -رحمهم الله -كانوا يكرهون التكلم بغير العربية أشدّ الكراهية وينهون عنه إلا إذا كان في تعلمها مصلحة وحاجة فهذا جائز، ومما زاد الطين بلةً -إضافةً إلى تعلم لغتهم والتحدث بها- أن انتشر التسمّي بأسماء الغرب والتكني بكناهم والتلقب بألقابهم ولا حول ولا قوة إلا بالله.
كذلك من صور التشبه بالغرب الكافر: وصل الشَعر وتقليد الكفار بتسريحات الشعر.
إنك لو نظرت إلى بعض البلدان لرأيت عجباً, قصات عجيبة وتسريحات غريبة تُعدّ بمال كثير، وما علم أصحابها -خاصةً النساء- أنهن يحصدن الذنوب بها، رؤوسهن كأسنمة البخت لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، ناهيك عن شباب الأمة الذين يفترض فيهم الخشونة، إنك لترى أشكالاً غريبة من قصات رؤوسهم، حتى إنك إذا رأيته شككت هل هو من المسلمين أم هو من بلاد الغرب!!.
ومن تقليد الكفار -يا عباد الله- حلق اللّحى وإعفاء الشوارب، وهذا تشبه بالمشركين والمجوس وغيرهم، وفي صحيح مسلم يقول -عليه الصلاة والسلام-:"جزوا الشوارب وأرخوا اللحى خالفوا المجوس"
ومن التقليد الأعمى للكفار: تربية الكلاب واقتناؤها لغير حاجة، ولا شك في حرمة ذلك إلا كلب الصيد والماشية أو الحرث، كفاك أن من رباه لغير حاجة ينقص من أجره كل يوم قيراط، كما ثبت في الصحيحين عن النبي -صلى الله عليه وسلم-.
ومن مظاهر التشبه بالكفار-أيضاً- الموسيقى والغناء، ولا يشك شاك في حرمتها لتوافر الأدلة في ذلك، سواء كانت عربية أم عجمية، وإنك لا تدري أتضحك أم تبكي عندما ترى شابًا يرفع صوت مسجلته على أغنية غربية لا يعلم معناها!! ولكن الشيطان يحركه، بل قد يكون فيها سب لدينه وأهله وهو لا يعلم!!
عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- مرفوعًا:"لتتبعنّ سنن من قبلكم، شِبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، حتى لو سلكوا جُحر ضَب لسلكتموه!"قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟! قال:"فمن؟!".
الخطبة الثانية:
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وأشهد أن لا إله إلا الله العلي العظيم, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الهادي إلى صراط الله المستقيم.
صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً, أما بعد:
فإن المتأمل في النصوص الشرعية يتبين له أن مخالفة الكافرين مقصودة للشارع في جميع الشؤون، فليس النهي عن مشابهتهم في عباداتهم أو عقائدهم فقط، بل هو عام في عاداتهم وآدابهم وأخلاقهم وجميع شؤون حياتهم.
عباد الله:
إن مما ينبغي التنبه له أن مشابهة أهل الكتاب ومشاركتهم في أعيادهم ومناسباتهم توجب عند المسلم نوعَ مودة لهم -ولا شك- وإننا لندرك أن فئامًا ممن يتشبهون بالكفار في لباسهم أو سلوكهم أو عاداتهم أو يتكلمون بلغتهم أنهم تميل نفوسهم إلى حبهم وتقديرهم, والإعجاب بهم والفرح لفرحهم والحزن لحزنهم.