ونحن أمةٌ نحتاج إلى مزيدٍ من مضاعفة الجهد والعمل ، وإلى مزيدٍ من تحصيل الثقافة والعلم لندرك من سبقنا في أبواب كثيرةٍ من أبواب التقدم والعلم ونحو ذلك ، ولنحصل كثيراً مما فاتنا ومما سبقتنا إليه أمم أخرى ، ومع ذلك نجد هذا على هذا النحو بل إننا نجد شكوى نعومةً من بعض الشباب في أوقات الدراسة وهم يأملون ويطمحون ويؤجلون كل آمالهم وطموحاتهم إلى هذه الفترة ، فتجد أحدهم لا يجد فرصةً للعبادة والطاعة بحجة انشغاله بالدراسة ، وآخر لا يجد متسعاً من الوقت للثقافة والإطلاع وزيادة المعلومات بسبب الانشغال بالتحصيل والاختبارات ، وثالث أيضاً لا يرى فرصةً لتنمية المهارات أو ممارسة الهوايات فأين هذا كله في هذه الفترة .
نحن نسأل عن الليل أين قيام الليل من هذا السهر العابث واللهو التافه الذي يقضى فيه كثير من الأوقات .. أين قول الله عز وجل: { وبالأسحار هم يستغفرون } ؟ .
أين أنت أخي المسلم أخي الشاب من قول الله عز وجل: { إن ناشئة الليل هي أشد وطئاً وأقوم قيل } .
ألا تذكروا صحب النبي - صلى الله عليه وسلم - صغار الصحابة الشباب كيف كان يقضي ليله وهو في النهار من المجاهدين ومن العاملين ! لا من النائمين والكسالى الذين تتاح لهم فرصة للراحة .. نعلم قصة ربيعة بن كعبِ رضي الله عنه لما سأله النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أمينته ليدعوا له بها فقال:"أسألك مرافقتك في الجنة". قال: ( أو غير ذلك ؟! ) ، قال:"ليس إلا هو"، قال: ( فأعني عل نفسك بكثرة السجود ) .
فلم يكن - رضي الله عنه - يدع قيام الليل بعد ذلك وهو في الرابعة عشر من عمره .
وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه كما في الصحيح البخاري جاءه النبي عليه الصلاة والسلام
فقال له:"ألم أخبر أنك تصلي فلا تنام وتصوم فلا تفطر وتقرأ القرآن في كل ليلة ؟!"، قال: نعم يا رسول الله .
هذا الخبر الذي بلغ النبي - عليه الصلاة والسلام - عن حال عبد الله بن عمر الشاب الذي كان في مقتبل العمر كان يصلي فلا ينام يصوم فلا يفطر يقرأ القرآن في كل يوم مرة حتى رده النبي - عليه الصلاة والسلام - للاعتدال فذكر له صيام يومِ وإفطار يوم وأن ينام نصف الليل وأن يقوم ثلثه وأن سدسه الأخير كما علمه النبي عليه الصلاة والسلام - وأن يختم القرآن في خمسِ أو في سبعِ كما في بعض الروايات .
نحن نقول لإخواننا ولأنفسنا ولآبائنا أيضاً: إن هذا الوقت الذي يفرغ فيه الإنسان أو يفرغ فيه الشاب من هذا الارتباط بالدراسة أو التحصيل أو غير ذلك .
ينبغي أن يقابله هذا الاستثمار في العبادة والطاعة أين الذكر والتلاوة كثير من الشباب لا يجدون كما يقولون وقتاً في تلاوة القرآن وذكر الله - عز وجل - في أوقات الدراسة أفليس جديراً بهم أن يقرأوا جزءاً من القرآن في أول نهارهم وجزءاً في آخر يومهم أو أكثر من ذلك كما كان شباب صحابة النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعلون .
أين المسارعة إلى الخيرات والمسابقة إلى المساجد والصلوات ؟ أين هذا كله الذي كان يترك بعضه أو كثير منه بحجة الانشغال بالدراسة والتفرغ لها ؟ .
فما بالنا نشكوا هذه الشكاوى المزعومة وندعي هذه الدعاوى الموهومة ثم إذا جاء الوقت وحانت الفرصة لم نجد لهذه الدعوة الصورة الحقيقية الصادقة لها .
وأمرٌ آخر غير العبادة والطاعة أمر الثقافة والاطلاع
لماذا لا يستثمر الوقت في مثل هذا المجال لتحصيل مزيد من العلم أو تهيأ للعام القادم أو مراجعة مما مضى من التحصيل ، أو توسيعاً للمدارك أو زيادةً في أبواب من الفهم أو العلم يميل إليها الشاب أو الشابة كأنه كما أشرت من قبل ينبغي أ لا يكون خلال هذه المدة الطويلة في الإجازة الصيفية أي لا قراءةِ ولا إطلاع ولا كتاب ولا مقال ولا حتى سطراً واحداً ، نجد ذلك كأن الإنسان إنما جعل له هذا الوقت ليبدده من غير فائدة .
ونحن نعلم ما كان من سلقنا - رضوان الله عليهم - كيف نقلوا لنا سنة النبي - كيف نقلوا لنا القرآن الكريم ؟ كيف نقلوا لنا هذه الثروة الهائلة من العلوم الإسلامية والمؤلفات الضخمة ؟ لم يكن أحدهم ينام ملء عينيه ، ويأكل ملء ماضغيه ، ويطمئن إلى الدنيا ، وينشغل باللهو والعبث بل كانوا على جد وعمل .
فهذا بن عقيل الحنبلي يقول:"إنه ما يترك إلا وهو ينشغل بالقراءة ؛ فإن لم يكن فبي كتابه فإن تعب تمدد وشغل فكره في مسألةً من المسائل وكان بعض السلف وبعض علماء الأمة من أمثال إمام الحرمين الجويني لا ينام إلا مغلوباً ليس له وقت في النوم وإنما يقرأ ويطالع ويدرس ويعمل حتى يرهق فينام ، فإذا نام نومةً قصيرةً كانت أو طويلة إذا استيقظ واصل عمله جدَ ودأبَ واستثمارَ واستغلال".
فما بالنا نحن في هذه الظروف اليسيرة التي هيأ الله فيها أسباباً من النعم كثيرة نفرط مثل هذا التفريط وندع مثل هذه الفرص دون اغتنام .