إن مما يدل على أهمية الإخلاص ما ورد في الكتاب والسنة من كثرة ذكره، والتحذير من التفريط فيه ، وبيان أنه شرط من شروط قبول العمل الصالح عند الله، قال الله: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} سورة البينة (5) . وقال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّين أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} سورة الزمرَ (2- 3) . وقال تعالى: {قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي فاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِ } سورة الزمر (15- 14) .
فالإخلاص لله شرط لقبول العمل، والله لا يقبل من العمل إلا ما أريد به وجهه، ولهذا قال تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا} سورة الفرقان )) (23) وذلك لأنها فقدت الشرط الشرعي، إما الإخلاص فيها، وإما المتابعة لشرع الله، فكل عمل لا يكون خالصًا وعلى الشرعية المرضية فهو باطل.
وقد جمع هذين الشرطين الإمام حافظ حكمي -رحمه الله- في سلم الوصول فقال:
شرط قبول السعي أن يجتمعا فيه إصابة وإخلاص معًا
لله رب العرش لا سواه موافق الشرع الذي ارتضاه
وكل ما خالف للوحيين فإنه رد بغير مين
وترك الإخلاص هو مما خالف الوحيين الكتاب والسنة؛ فإنهما قد جاءا بإثبات هذين الشرطين، وجعلهما شرطين في قبول الأعمال.
وقال تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} سورة الملك (2) قال الفضيل بن عياض - رحمه الله- أخلصه وأصوبه. قالو: ما أخلصته وأصوبه؟ فقال: إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل حتى يكون خالصًا صوابًا. والخالص: أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة؛ ثم قرأ قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} سورة الكهف (110) . وقال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} سورة النساء) (125) وإسلام الوجه هو: إخلاص القصد والعمل لله، والإحسان فيه متابعة رسوله - صلى الله عليه وسلم- وسننه.
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يقول:"إن أول الناس يقضي يوم القيامة عليه رجل استشهد، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كذبت ولكن قاتلت لأن يقال جريء، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: ما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم، وقرأت القرآن ليقال قارئ فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت ولكنك فعلت ليقال هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقي في النار" [6] .
وفي الحديث الإلهي يقول الله -تعالى-:"أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه غيري، فهو للذي أشرك به. وأنا منه بريء" [7] . ولا شك أن الإخلاص من أعمال القلوب بل هو من أهمها وأعظمها.
وفي الحديث الصحيح:"إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم". [8]
وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-:"ثلاث لا يغل عليهم قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمور، ولزوم جماعة المسلمين، فإن دعوتهم تكون من ورائهم". [9]
فيا إخوتاه! من وجد الله فماذا فقد!! ومن فقد الله فماذا وجد!!
متى صح منك الود فالكل هين وكل الذي فوق التراب تراب.
إذا اطلع الخبير البصير على الضمير فلم يجد في الضمير غير الخبير، جعل فيه سراجًا منيرًا.
ويرحم الله الفضيل بن عياض: أدركنا الناس وهم يراءون بما يعملون، فصار الآن يراءون بما لا يعملون.
يا إخوتاه! أعربنا في القول، ولحنا في العمل، وإخلاصنا يحتاج إلى إخلاص.
إخوتاه! الإخلاص مسك القلب، وماء حياته، ومدار الفلاح كله عليه.
سئل الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله- عن الصدق والإخلاص؟ فقال: بهذا ارتفع القوم.
نعم بضاعة الآخرة لا يرتفع فيها إلا مخلص صادق! .
إنما تحفظ هذه الأمة وتنصر إلا بإخلاص رجالها! [10]
نماذج من إخلاص السلف:
إن خير وسيلة لاستغلال العزائم، وإذكاء الهمم، وتقويم الأخلاق، والتسامي إلى معالي الأمور، والترفع عن سفسافها، والا ئتساء بالأسلاف الأجلاء .. هو قراءة سيرة النبغاء الصلحاء، والاقتراب من العلماء النبهاء العالمين المجدين ذوي المجد الرفيع، واغتنام الباقيات الصالحات، وإخلاص النيات!! [11] .
وهذه نقطة من بحار السلف.. وعجائبهم.. فارعها قلبك، وإن كانت غريبة في عالمنا.. وأي شيء عندهم لا يكون اليوم غريبًا، ولسان حالهم يقول:
تركنا البحار الزاخرات ورائنا فمن أين يدري الناس أنا توجهنا.
* هذا السليم الأسلم المذكور بالسواد الأعظم الطوسي محمد بن أٍسلم:
قال خادمه أبو عبد الله: صحبت محمد بن أسلم نيفًا وعشرين سنة لم أره يصلي حيث أراه من التطوع إلا يوم الجمعة، ولا يسبح ولا يقرأ حيث أراه، ولم يكن أحد أعلم بسره وعلانيته مني، وسمعته يحلف كذا وكذا مرة، أن ول قدرت أن أتطوع حيث لا يراني ملكاي لفعلت، ولكن لا أستطيع ذلك؛ خوفًا من الرياء.
* وهذا سيد الفتيان أيوب بن كيسان المشهور بالسختياني:
يقوم الليل كله، فيخفي ذلك، فإذا كان عند الصبح رفع صوته كأنه قام تلك الساعة.
* وقال عمرو بن ثابت:[ لما مات علي بن الحسين فغسلوه؛ جعلوا ينظرن إلى آثار سواد بظهره، فقالوا: ما هذا؟ فقيل: كان يحمل جرب الدقيق ليلًا على ظهره يعطيه فقراء أهل المدينة.
* وعن محمد بن إسحاق: كان ناس من أهل المدينة يعيشون لا يدرون من أين كان معاشهم، فلما مات علي بن الحسين فقدوا ما كانوا يؤتون به في الليل.
* وهذا داوود بن أبي هند يصوم أربعين سنة لا يعلم به أهله ولا أحد، وكان خزازًا يحمل معه غداءه من عندهم، فيتصدق به في الطريق، ويرجع عشيًا فيفطر معهم، فيظن أهل السوق أنه قد أكل في البيت، ويظن أهله أنه قد أكل في السوق.
* وعمرو بن قيس الملائي أقام عشرين سنة صائمًا، ما يعلم به أهله، يأخذ غداءه ويغدوا إلى الحانوت، فيتصدق بغدائه ويصوم، وأهله لا يدرون.
وكان إذا حضرته الرقة، يحول وجهه إلى الحائط، ويقول لجلسائه: ما أشد الزكام.
• وقالت سُرّية الربيع بن خثيم: كان عمل الربيع كله سرًا، إن كان ليجيء الرجل وقد نشر المصحف فيغطيه بثوبه.
• وإمام أهل السنة أحمد بن حنبل يقول عنه تلميذه أبوبكر المروزي: كنت مع أبي عبد الله نحوًا من أربعة أشهر، بالعسكر، وكان لا يدع قيام الليل، وقراءات النهار، فما علمت بختمة ختمها، وكان يُسر بذلك.
• وقال محمد بن واسع: إن كان الرجل ليبكي عشرين سنة وامرأته معه لا تعلم به.