وإن نقدنا لهذه التصرفات والأدوار الهزيلة لا يعني أن الأمة خلت, فالخير فيها ممتدٌ إلى قيام الساعة, وأكبر دليل على ذلك ما رأيناه وسمعنا عنه من تلك المظاهر الشعبية في بلدان العالم الإسلامي التي تحترف للقضية, ولمرأى شهداء الأقصى وتلك الجموع البشرية التي تريدُ صادقة التضحية بنفسها في سبيل ال,له وكذلك الدعمُ المالي الذي بدأه قادة هذه البلاد وأهلها وهو ما رأيناه مما يُفرحنا ويسرنا في حملة جمع التبرعات الأيام الماضية, كيف رأينا الشعب بفئاته ومسؤليه وهم يُبادرون إلى التبرع, كلُّ بما يملك صغارًا أو كبارًا, رجالاً أو نساءً, نسأل الله أن يتقبل منهم وأن يُوصل تبرعاتهم للمستحقين من المسلمين المجاهدين الصابرين في أسرع وقت. وإن هذا الشعور لهو شعورٌ أصيل يناسب القضية.
لكننا نستغربُ أخوتي ونحن نرى ذلك الجبن في النفوس والقلوب في المفاوضات على الطاولات لدى المخذلين والتابعين فيما يُسمى غرف العلميات لتطويق وحصار هذه الانتفاضة المباركة, إنها انفعالية في السوء والتصرفات المصلحية الشخصية وغرامٌ بالمتع الرخيصة في أدق الساعات وأحلك الأيام, وافتتان من العامة كذلك بالملاهي والكرة والمعازف, فجمع ذلك لهم حبُ الدنيا وكراهية الموت, فأصبحت كثير من قيادات الأمة ومناضليها المزعومين مظلمة الروح جوفاء القلب, ضعيفة اليقين, قليلة الدين, نافذة الصبر والجلد, فاقدة للخلق والإرادة, تبيع الحق والأمة بمنافع شخصية, جاه موهوم, وعزٌ مصطنع في أهواء مشتتة وأهداف متفرقة, ولئن كانوا زعزعوا في الأمة روح التدين وشريف الخلق فلقد سلكوا في قضية فلسطين وعبر السنين مسالك المنظمات والتجمعات والحزبيات والهيئات التي تتأرجح بين يمينٍ ويسار بشعارات زائفة من العلمانية والوطنية والقومية, اجتماعاتهم وتنظيماتهم وقراراتهم تعدُ ولا تنجز, وتقولُ ولا تفعل, وتشجبُ ولا تقاوم قلوبٌ شتى ووجوهٌ متباينة, فصمُوا العري بعد توثيقها, ونقضُوا الأيمان بعد توكيدها, وفرقوا الكلمة بعد توحيدها, وفي قضيتهم تركوا الدين الذي يحلها, وعلقوا آمالهم على تشكيل لجنة دولية للتحقيق في المتسبب في القضية وكأنّ حل فلسطين ومقدساتها موقوف على هذه اللجنة.
وفي ذات الوقت الذي يسعى فيه الأعداء إلى هذا القتل لأهلينا في فلسطين والهدم لمقدساتنا فإن يهود جادون في بناء أنفسهم, استمدادًا من تاريخهم واعتمادًا على تراثهم, يجمعون بني قومهم من شتات الأرض شُذَّاذ الآفاق باسم الدين وإسرائيل والتوراة والتلمود.
لقد أشربهم تلمودهم أحقادًا زرقاء ينفخ فيها أحبارُ السوء بوصايا الزيف من التوراة المحرفة ليتنادوا عليها وكأنها حقائق مسلماتٌ إنها طبائع الملعونين من أسلافهم, قسوة في القلب كالحجارة أو أشد, وشرةٌ في النفوس, وأكلُ سحت, وفسادُ معتقد وبغيٌ في الأرض, وتطاول على الخلق وربِّ الخلق, هذا سبيلهم في الزعزعة والهدم, أما سبيلهم في المفاوضات والمحادثات فسبيل المخادعة والتضليل والتلاعب بالأسماء والمصطلحات والالتفات على التوصيات والقرارات وإذا تأزمت الأمور وخيف من إفلات الزمام وأسر ثلاثة من جنودهم أو قليل غيرهم بينما هم يقتلون الأبرياء الذين هم لا يحملون السلاح, إذا حصل كل ذلك كونت لجان وتراسل المندوبون بأسماء وألوان ومبادرات ومهدئات, امتصاصًا للغضب وتهدئة للأوضاع وتحقيقًا لمكاسب يهود.
أيها المسلمون: هذه هي القضية, وذلكم هو وضعها, ولا بد من ردها إلى أصلها في صراع المسلمين مع اليهود حتى تصبح قضية قوية تتأبّى على الوأد والاحتواء, لابد أن تعود القضية إلى امتدادها الإسلامي بكل آفاقه وأعماقه, فهو أمرٌ فصلٌ ليس بالهزل, فهو صراع عقائدي ومعركة مع أشدِّ الناس عداوة للذين آمنوا.
على الأمة أن تدرك أن تفوق يهود سيظل خنجرًا هامزًا غامزًا في لحوم الشاردين وجنوبهم حتى يؤبوا إلى القرآن شرعة ومنهاجًا.
إذا عاد الشاردون إلى الحق عاد اليهودُ بإذن الله إلى حجمهم وذلتهم المضروبة عليهم, وينقطع بهم حبلُ الناس ويبطلُ السحر والساحر, ويأتي وعدُ الحق فلا ينفعُ اليهودي شيء ولا يستره اتقاءٌ خلف حصى, ولا يقيه حجر, ولا يحميه سلاحٌ ولا شجر, عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال: (( لا تقوم الساعة حتى يُقاتل المسلمون اليهودَ فيقتلهم المسلمون, حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم يا عبد الله! هذا يهودي خلفي تعال فاقتله إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود ) ) [متفق عليه] .
هذا هو النداء يا مسلمُ! يا عبد الله, ولا نداء غيره, فهو محور القضية, وليستيقن الجاهلون أنهم لن يروا نصرًا ولن يحفظوا أرضًا ماداموا مُصرين على الألقاب الضالة, ومناهج الإلحاد الصارخة وسلام الشجعان الهزيل, إن هذا الركام كلَّه نبت الشيطان وغرسُ الكفار, وهذا هو الذي يحجبُ نصرَ الله ويمدُّ في حبالِ اليهود وحمايتهم, وكأنه الغرقد شجرُ اليهود.