عباد الله، المؤمن الذي يرجوا قبول العمل أولاً: لا يستعظم عمله ولا يعجب به، فيغتر وإنما يراه قليلاً ينظر بعين التقصير نحو ما فعل، { والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون } ، أولئك يسارعون في الخيرات، أما الذي يرى أنه قد عمل الأعمال العظيمة وأنه قد قام بأكثر مما يجب عليه فهو الآن يستكثر عمله، فلماذا يسارع في الخيرات؟، أما الذي ينظر بعين التقصير والنقص فإنه يسارع، { والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة } ، لأنهم يخافون أن لا يقبل منهم، يخشون ربهم واليوم الآخر، أنهم إلى ربهم راجعون، { أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون } ، ولذلك فإن ميدان التسارع لأصحاب الهمم الذين يريدون تعويض النقص وسد الخلل، { ولا تمنن تستكثر } ، يا عبد الله ولا تظن نفسك بأعمالك التي عملتها أنك حزت المطلوب ووصلت إلى الدرجات العلى، ولكن المؤمن يرجوا القبول من الله عزوجل، ويدعوا ربه بأن يتقبل منه، ويحسن ظنه بربه أنه لن يرده، وهذا كله لا يتعارض مع النظر إلى العمل بعين التقصير، { وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم } ، فهكذا يكون الدعاء بالقبول إذن، وهذا مما يفعله المؤمن بعد أن يقدم يسأل الله أن يتقبل منه، وأيضاً يستغفر ربه بعد العمل الصالح، فإن قال قائل: هذا ليس بذنب ولا معصية فما وجه الاستغفار؟، ولماذا إذا انتهينا من الصلاة قلنا: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله؟، ولماذا إذا أفاضوا من عرفة بعد المقام العظيم الذي يباهي الله بهم الملائكة، يقول تعالى: { ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم } ؟، ولماذا لما قدمت الأرواح والموهج في سبيل الله، وقام محمد بن عبد الله يضربهم بالسيف على أن يقولوا: لا إله إلا الله، حتى فتح مكة، فقال الله له: { إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواج فسبح بحمد ربك وأستغفره } ، لقد قدم الدم، لقد قدم النفس؟، وهكذا،، هو وأصحابه ومع ذلك قيل له: أستغفره، فما وجه الاستغفار هنا وقد قام بالجهاد لإعلاء كلمة الله؟، الجواب أيها الإخوة: أننا مهما عملنا من الأعمال فإننا مقصرون، والإنسان لا يأمن على عمله من الخلل، وهو مهما عمل فإنه قليل بجنب نعم الله عليه، ولذلك لا بد أن نكثر من الاستغفار ليس بعد الذنوب فقط، وإنما بعد الطاعات أيضاً، قال الحسن: أكثروا من الاستغفار في بيوتكم، وعلى موائدكم، وفي طرقكم، وفي أسواقكم، وفي مجالسكم، وأين ما كنتم، فإنكم ما تدرون متى تنزل المغفرة؟.
عباد الله، إن مما يدعوا في التفكير ملياً في قضية قبول العمل أن الله عزوجل قال في كتابه: { إنما يتقبل الله من المتقين } ، فهل نحن منهم؟، هل بلغنا درجة التقوى؟، هل نحن نعمل بطاعة من الله على نور من الله نخشى عقاب الله ونرجوا ثوابه؟، وهل نحن نترك معصية الله على نور من الله نخشى عقاب الله ونرجوا الثواب على ترك المعصية؟.
أيها المسلم يا عبد الله، { إنما يتقبل الله من المتقين } ، تلك الكلمة وهذه العبارة التي أزعجت وأقلقت قلوب المؤمنين، فقال قائلهم: لأن أستيقن أن الله تقبل مني صلاة واحدة أحب إلي من الدنيا وما فيها، لو أني أعلم أن الله تقبل مني سجدة واحدة لفرحت، لكن هو قال: { إنما يتقبل الله من المتقين } ، لا يقل عمل مع التقوى، فكيف يقل ما يتقبل؟، جاء سائل إلى ابن عمر فأعطاه، فقال ابنه، ابن أبن عمر: تقبل الله منك يا أبتاه، فقال ابن عمر: لو علمت أن الله تقبل مني سجدة واحدة، أو صدقة درهم، لم يكن غائب أحب إلي من الموت. لو أني أعلم أن الله تقبل مني لكنت أفرح بالموت جداً، إذا جاء تدري ممن يتقبل الله؟، يقول ابن عمر لولده: { إنما يتقبل الله من المتقين } ، ولذلك لابد أن نحافظ على الأعمال وأن نواصل عليها، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عمل عملاً أثبته، وكان إذا فاته شيء قضاه إذا كان له قضاء، ونبينا عليه الصلاة والسلام قد علمنا أشياء تمنع قبول الأعمال، ولذلك يجب الحذر منها، فمنها المكسب الحرام،"لا تقبل صدقة من غلول"، كما أخبر عليه الصلاة والسلام وذكر،"الرجل يطيل السفر أشعر أغبر يمد يديه إلى السماء، يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنا يستجاب له؟"، قاطع الرحم،"إن أعمال بني آدم تعرض كل خميس ليلة الجمعة فلا يقبل عمل قاطع رحم". رواه أحمد وهو حديث حسن.