فهرس الكتاب

الصفحة 6443 من 9994

علق قلبك بالله سبحانه فهو الغنى الذي لا تنفعه الطاعة ولا تضره المعصية، ومع ذلك لو تاب إليه عبده الفقير الحقير مثلى لفرج بتوبته وهو الغنى عن العالمين يقول النبي: (( لله أفرح بتوبة عبده المؤمن من رجل نزل في أرض دوِّيَّة مهلكةٍ، معه راحلته عليها طعامه وشرابه، فوضع رأسه فنام نومة، فاستيقظ وقد ذهبت راحلته، فطلبها حتى إذا اشتد عليه الحر والعطش أو ما شاء الله - قال: أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه فأنام حتى أموت فوضع رأسه على ساعده ليموت فاستيقظ، فإذا راحلته عنده، عليها زاده وشرابه فالله أشد فرحاً بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته وزاده ) ) ( [2] ) .

وفي صحيح البخاري عن عمر بن الخطاب: (( قدم على النبي سَبْيٌ، فإذا امرأة من السَّبْي تحلُب ثديها تسقي، إذا وجدت صبياً في السبي أخذته، فألصقته ببطنها وأرضعته ) )فقال لنا النبي: (( أترون هذه طارحة ولدها في النار؟ ) )قلنا: لا، وهي تقدر على أن لا تطرحه، فقال (( لله أرحم بعباده من هذه بولدها ) ) ( [3] ) .

والله لو تدبرت هذا الحديث لوقفت على العجب العجاب، لذا قال أحد السلف: اللهم إنك تعلم أن أمي هي أرحم الناس بي وأنا أعلم أنك أرحم بي من أمي، وأمي لا ترضى لي الهلاك أفترضاه لي وأنت أرحم الراحمين؟!!

نعم إنها رحمة الله جل وعلا، ينادي بها على عباده بهذا النداء الندى العذب: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53] .

إنها رحمة الله التي وسعت كل شيء فاستعن بالله ولا تعجز، و إن زلت قدمك عُد وإن زلت أخرى عُد، وإن زلت للمرة الألف عُد، واعلم بأن الله لا يمل حتى تملّوا، نحن عبيده هو الذي خلقنا ويعرف ضعفنا وفقرنا وعجزنا لذا لا يريد منا الطاعة وإنما يريد منا العبودية له سبحانه وتعالى.

فالطاعة لك أنت، فهو سبحانه لا تنفعه الطاعة ولا تضره المعصية ففي صحيح مسلم من حديث أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر أن رسول الله قال: قال الله تعالى: (( ... يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً… ) ) ( [4] ) .

أيها الموحد: استعن بالله على الطاعة، واستعن بالله على أن تثبت على هذا الدرب المنير، واعلم يقيناً أن من أعظم الأسباب التي تعين العبد على أن يثبت على طاعة الله جل وعلا أن يكون وسطاً معتدلاً في طاعته لربه، لا غلواً في الإسلام ولا تنطع، فخير الأمور الوسط، لا غلو، لا إفراط، لا تفريط، لذا يقول المصطفى: (( إن الدين يسرٌ ولن يشاد الدينَ أحد إلا غلبه فَسَدَّدوا وقاربوا و أبشروا واستعينوا بالغَدْوَةِ والرَّوحة وشيء من الدُّلْجة ) ) ( [5] ) .

وعن أنس بن مالك قال: دخل رسول الله فإذا حبل ممدود بين الساريتين فقال: (( ما هذا الحبل؟ ) )قالوا: هذا حبل لزينب، فإذا فترت تعلقت، فقال النبي: (( لا، حلّوه، ليصل أحدكم نشاطه، فإذا فَتَرَ فليقعد ) ) ( [6] ) .

وكلكم يعلم قصة الرهط الذين جاءوا لبيوت النبي والحديث في الصحيحين من حديث أنس: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي يسألون عن عبادة النبي فلما أخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبي ؟ فقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقال أحدهم: أما أنا أصلي الليل أبداً، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً، فجاء إليهم النبي فقال: (( أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكنى أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس منى ) ) ( [7] ) .

نعم لقد جمع النبي هذا المنهج الوسط وحوله إلى منهج عملي على أرض الواقع في هذا الدعاء الرقيق الرقراق الذي رواه مسلم فقد كان النبي يدعو الله ويقول: (( اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دُنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر ) ) ( [8] ) .

إنه منهج الوسط.. منهج الاعتدال، لقد جمع النبي بكلماته هذه بين خيري الدنيا والآخرة لأن من كسب الدنيا بالعمل الصالح كسب الآخرة بإذن الله، ومن خسر الدنيا بالعمل السيء خسر الآخرة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

( [1] ) رواه أبو داود رقم ( 1522 ) فى الصلاة ، باب الاستغفار ، والنسائى ( 3/ 53 ) فى

السهو ، والحاكم ( 3 / 273 - 274 ) وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، ووافقه الذهبى

وهو في صحيح الجامع ( 7969 ) .

( [2] ) رواه البخارى رقم ( 6308 ) فى الدعوات ، باب التوبة ، ومسلم رقم ( 2744 ) فى

التوبة ، باب في الحض على التوبة ، والترمذى رقم ( 2499 ، 2500 ) فى صفة القيامة

باب المؤمن يرى ذنبه كالجبل فوقه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت