فهرس الكتاب

الصفحة 598 من 9994

أجاب الجمهور أن الحديث يصلح للاحتجاج به و قد حسنه غير واحد من الأئمة ، فيصلح قرينة صارفة للأمر عن الوجوب إعمالًا للدليلين ، و لغيره من الأدلة .

3-و أما حديث عائشة قالت: كان الناس ينتابون الجمعة من منازلهم و من العوالي فيأتون في العباء فيصبن الغبار و العرق ، فتخرج منهم الريح … الحديث و فيه قوله صلى الله عليه و سلم:"لو اغتسلتم يوم الجمعة".

أجاب القائلون بالوجوب عن الحديث بأنه ليس فيه نفي الوجوب ، و بأنه سابق علي الأمر به و الإعلام بوجوبه و لا يلزم من زوال العلة سقوط الوجوب تعبدًا و لا سيما مع احتمال وجود العلة المذكورة ، كالسعي فإنه واجب مع زوال العلة التي شرع لها و هي إغاظة المشركين و كذلك وجوب الرمي مع زوال ما شرع له و هو ظهور الشيطان بذلك المكان (2) .

أجاب الجمهور بأنه فرق بين زوال العلة معقولة المعنى كما هي في الأمر بغسل الجمعة ، و بين العلة التي مبناها على التعبد و امتثال الأمر كما في السعي و الرمي و نحوهما ، فتبقى دلالة الحديث و ظاهر اللفظ دليلًا علي الندب و المشروعية لا الوجوب .

4-و أما حديث:"من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع و أنصت غفر له".

فأجاب القائلون بالوجوب عن الحديث بأن ليس فيه نفي الغسل ، و قد ورد من وجه آخر في الصحيحين بلفظ:"من اغتسل"فيحتمل أن يكون ذكر الوضوء لمن تقدم غسله علي الذهاب فاحتاج إلى إعادة الوضوء …

الترجيح:

قال الشوكاني في نيل الأوطار بعد أن ساق أدلة الفريقين:

و بهذا يتبين لك عدم انتهاض ما جاء به الجمهور من الأدلة علي عدم الوجوب ، و عدم إمكان الجمع بينها و بين أحاديث الوجوب ، لأنه و إن أمكن بالنسبة إلى الأوامر لم يمكن بالنسبة إلى لفظ:"واجب"و"حق"إلا بتعسف لا يلجئ طلب الجمع إلى مثله ، و لا يشك من له أدنى إلمام بهذا الشأن أن أحاديث الوجوب أرجح من الأحاديث القاضية بعدمه ، لأن أوضحها دلالة علي ذلك حديث سمرة و هو غير سالم من مقال … و أما بقية الأحاديث فليس فيها إلا مجرد استنباطات واهية …." (1) ."

و قال الصنعاني في سبل السلام: … فالأحوط للمؤمن أن لا يترك غسل الجمعة … و في الهدي النبوي الأمر بالغسل يوم الجمعة مؤكد جدًا و وجوبه أقوى من وجوب الوتر … (2)

وقت الغسل:

اختلف العلماء في وقت الغسل للجمعة و تعلقه بالذهاب إليها علي ثلاثة أقوال:

الأول: اشتراط الاتصال بين الغسل و الرواح . و إليه ذهب مالك و وافقه الأوزاعي و الليث .

لحديث:"إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل"و في لفظ مسلم:"إذا أراد أحدكم أن يأتي"

الجمعة فليغتسل"."

الثاني: عدم اشتراط ذلك ، و يجزئ من بعد الفجر لكن لا يجزئ فعله بعد صلاة الجمعة ، و

يستحب تأخيره إلي الذهاب و إلي هذا ذهب الجمهور .

الثالث: أنه لا يشترط تقدم الغسل على صلاة الجمعة ، فلو اغتسل قبل الغروب أجزأ عنه ، و إليه

ذهب داود و نصره ابن حزم ، و حجتها تعلق الغسل باليوم في الأحاديث لا بالصلاة .

و قد أنكر هذا القول ابن دقيق العيد و قال: يكاد يجزم ببطلانه ، و حكى ابن عبد البر الإجماع

علي أن من اغتسل بعد الصلاة لم يغتسل للجمعة (3) .

فائدة:

قال النووي:"قال أصحابنا: و وقت جواز غسل الجمعة من طلوع الفجر إلي أن يدخل"

في الصلاة … قالوا: و لا يجوز قبل الفجر . و انفرد إمام الحرمين بحكاية وجه أنه يجوز قبل

طلوع الفجر ، كغسل العيد علي اصح القولين . و الصواب المشهور أنه لا يجزئ قبل الفجر ،

و يخالف العيد ، فإنه يُصلى في أول النهار ، فيبقى أثر الغسل ، لأن الحاجة تدعو إلى تقديم غسل العيد ، لكون صلاته أول النهار ، فلو لم يجز قبل الفجر ضاق الوقت و تأخر التبكير إلى الصلاة" (1) ."

قال الشوكاني: و الظاهر ما ذهب إليه مالك . لأن مجمل الأحاديث التي أطلق فيها: اليوم علي حديث الباب (1) المقيد بساعة من ساعاته واجب ، و المراد بالجمعة اسم سبب الاجتماع و هو الصلاة لا اسم اليوم (2) .

قال الحافظ: و مقتضى النظر أن يقال: إذا عرف أن الحكمة في الأمر بالغسل يوم الجمعة و التنظف رعاية الحاضرين من التأذى بالرائحة الكريهة ، فمن خشي أن يصيبن في أثناء النهار ما يزيل تنظفه استحب له أن يؤخر الغسل لوقت ذهابه ، و لعل هذا هو الذي لحظه مالك فشرط اتصال الذهاب بالغسل ليحصل الأمن مما يغاير التنظف و الله أعلم (3) .

مسألة هل يشرع الغسل لمن لم يحضر الجمعة:

قال الحافظ: و استدل من مفهوم الحديث (4) على أن الغسل لا يشرع لمن لم يحضر الجمعة ، و قد تقدم التصريح بمقتضاه في آخر رواية عثمان بن واقد عن نافع . و هذا هو الأصح عند الشافعية ، و به قال الجمهور خلافًا لأكثر الحنفية (5) .

و يدل لقول الجمهور ما أخرجه البيهقي من حديث ابن عمر مرفوعًا:"من أتى الجمعة من الرجال و النساء فليغتسل ، و من لم يأتها فليس عليه غسل من الرجال و النساء"قال النووي: رواه البيهقي بهذا اللفظ بإسناد صحيح (*) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت