فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 9994

وانتقلوا بعد ذلك إلى شبهة أخرى، قالوا: إن رسل ملوك الدنيا يمشون في موكب من الخدم والحشم، ويتمتعون بالأبهة والجلال، ويوفر لهم كل أسباب الحياة، فما بال محمد يمشي في الأسواق للقمة عيش وهو يدعي أنه رسول الله ؟ { وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا * أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا} الفرقان: 7: 8 ، ورد على شبهتهم هذه بأن محمدًا رسول، يعنى أن مهمته إبلاغ رسالة الله إلى كل صغير وكبير، وضعيف وقوى، وشريف ووضيع، وحر وعبد، فلو لبث في الأبهة والجلال والخدم والحشم والحرس والمواكبين مثل رسل الملوك، لم يستطع ضعفاء الناس وصغارهم الوصول إليه حتى يستفيدوا منه، وهم جمهور البشر، وإذن فاتت مصلحة الرسالة، لم تعد لها فائدة تذكر .

أما إنكارهم البعث بعد الموت فلم يكن عندهم في ذلك إلا التعجب والاستغراب والاستبعاد العقلي، فكانوا يقولون: { أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ} الصافات: 16، 17 ، وكانوا يقولون: { ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ} ق: 3 وكانوا يقولون على سبيل الاستغراب: { هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ * أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَم بِهِ جِنَّةٌ} سبأ: 7، 8 .

كما قال أعمى البصر والبصيرة المعري:

أَموْتٌ ثم بَعْثٌ ثم حَشْرٌ ** حدِيثُ خُرَافة يا أم عمرو

وقد رد عليهم بتبصيرهم ما يجري في الدنيا، فالظالم يموت دون أن يلقى جزاء ظلمه، والمظلوم يموت دون أن يأخذ حقه من ظالمه، والمحسن الصالح يموت قبل أن يلقى جزاء إحسانه وصلاحه، والفاجر المسيء يموت قبل أن يعاقب على سوء عمله، فإن لم يكن بعث ولا حياة ولا جزاء بعد الموت لاستوى الفريقان، بل لكان الظالم والفاجر أسعد من المظلوم والصالح، وهذا غير معقول إطلاقا ً. ولا يليق بالله أن يبني نظام خلقه على مثل هذا الفساد . قال -تعالى-: { أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) } القلم: 35، 36 ، وقال: { أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} ص: 28 ، وقال: { أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ } الجاثية: 21 .

وأما الاستبعاد العقلي فقال -تعالى- ردًا عليه: { أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا} النازعات: 27 ، وقال: { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } الأحقاف: 33 ، وقال: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذكَّرُونَ } الواقعة: 62 ، وبين ما هو معروف عقلًا وعرفًا،وهو أن الإعادة ( أَهْوَنُ عَلَيْهِ ) (الروم: 27 ) ، وقال: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ } الأنبياء: 104 ،وقال: { أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ } ق: 15 .

وهكذا ردَّ على كلِّ ما أثاروا من الشُّبهات ردًا مفحمًا يقنعُ كُلَّ ذي عقلٍ ولُبٍّ، ولكنهم كانوا مشاغبين مستكبرين، يريدون عُلوًا في الأرض، وفرض رأيهم على الخلق، فبقوا في طغيانهم يعمهون .

3.الحيلولة بين الناس وبين سماعهم القرآن، ومعارضته بأساطير الأولين:

كان المشركون إلى جانب إثارة هذه الشبهات يحولون بين الناس وبين سماعهم القرآن ودعوة الإسلام بكل طريق ممكن، فكانوا يطردون الناس ويثيرون الشغب والضوضاء، ويتغنون ويلعبون، إذا رأوا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- يتهيأ للدعوة، أو إذا رأوه يصلي ويتلو القرآن . قال -تعالى-: { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ } فصلت: 26 حتى إن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يتمكن من تلاوة القرآن عليهم في مجامعهم ونواديهم إلا في أواخر السنة الخامسة من النبوة، وكان ذلك عن طريق المفاجأة، دون أن يشعروا بقصده قبل بداية التلاوة .

وكان النضر بن الحارث، أحد شياطين قريش قد قدم الحيرة، وتعلم بها أحاديث ملوك الفرس، وأحاديث رستم واسفنديار، فكان إذا جلس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مجلسًا للتذكير بالله والتحذير من نقمته خلفه النضر, ويقول: أنا و الله -يا معشر قريش- أحسن حديثًا منه، ثم يحدثهم عن ملوك فارس ورستم واسفنديار، ثم يقول: بماذا محمد أحسن حديثًا مني؟! .

وفي رواية عن ابن عباس أن النضر كان قد اشترى قَيْنَةً -أي مُغنية-، فكان لايسمع بأحد يريد الإسلام إلا انطلق به إلى قينته، فيقول: أطعميه واسقيه وغنِّيه، هذا خير مما يدعوك إليه محمد، وفيه نزل قوله -تعالى-: { وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} لقمان: 6 .

4.مساومات حاولوا بها أن يلتقي الإسلام والجاهلية في منتصف الطريق، بأن يترك المشركون بعض ما هم عليه، ويترك النبي -صلى الله عليه وسلم- بعض ما هو عليه {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} القلم:91.

ولقد اجتمع الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى والوليد بن مغيرة وأمية بن خلف والعاص بن وائل السهمي -وكانوا ذوي أسنان في قومهم- فاعترضوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا له: يا محمد هلم فلنعبد ما تعبد، وتعبد ما نعبد، فنشترك نحن وأنت في الأمر! فإن كان الذي تعبد خيرًا مما نعبد كنا قد أخذنا بحظنا منه، وإن كان ما نعبد خيرًا مما تعبد كنت قد أخذت بحظك منه، فأنزل الله -تعالى- فيهم: { قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} السورة كلها.

فهذه الأساليب وغيرها حاول بها المشركون صد الدعوة المباركة، لكن الله خيب سعيهم ونصر رسوله، صلى الله عليه وسلم تسليمًا كثيرًاَ إلى يوم الدين.

1-الرحيق المختوم ص (83-84) . مع إضافات المؤلف على الطبعات الأخيرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت