فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 9994

الحمد لله رب العالمين,والصلاة والسلام على رسول الله,وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين..

أمَّا بعدُ:

فعندما أظهر الرسولُ-صلى الله عليه وسلم-دعوته,وصدع بالحقِّ في مكة, لقي هو وأصحابه أشدَّ أنواع الأذى الحسيِّ والمعنوي،ولما خافت قريشٌ من تسرب الدعوة إلى خارج مكة فكرت في أساليب تقضى بها على هذه الدعوة في مهدها . وتتلخص هذه الأساليب فيما يلي:

1.السخرية والتحقير،والاستهزاء والتكذيب:

قصدوا بها تخذيل المسلمين، وتوهين قواهم المعنوية،فرموا النبي-صلى الله عليه وسلم- بتهم هازلة،وشتائم سفيهة، فكانوا ينادونه بالمجنون ( وَقَالُواْ يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ الحجر: 6 ،ويصمونه بالسحر والكذب { وَعَجِبُوا أَن جَاءهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ } ص: 4 ،وكانوا يُشيِّعونه ويستقبلونه بنظرات ناقمة، وعواطف منفعلة هائجة {وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ } القلم: 51 ، وكان إذا جلس وحوله المستضعفون من أصحابه استهزؤوا بهم,وقالوا: هؤلاء جلساؤه { مَنَّ اللّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا} ؟ فيجيبهم الله -تعالى-: { أَلَيْسَ اللّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ } الأنعام: 53 ،وكانوا كما قص الله علينا { إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ وَإِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُواْ فَكِهِينَ وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاء لَضَالُّونَ وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ } المطففين: 29: 33 .

وقد أكثروا من السُّخرية والاستهزاء, وزادوا من الطعن والتضحيك شيئًا فشيئًا حتى أثَّر ذلك في نفس رسول الله-صلى الله عليه وسلم-، كما قال الله -تعالى-: { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ } الحجر: 97 ، ثم ثبته الله وأمره بما يذهب بهذا الضيق,فقال: { فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} الحجر: 98، 99 ،وقد أخبره من قبل أنه يكفيه هؤلاء المستهزئين,حيث قال: { إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللّهِ إِلهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْمَلُونَ } الحجر: 95، 96 ، وأخبره أن فعلهم هذا سوف ينقلب وبالًا عليهم,فقال: { وَلَقَدِ اسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ} الأنعام: 10 .

2.إثارة الشبهات وتكثيف الدعايات الكاذبة:

وقد أكثروا من ذلك وتفننوا فيه بحيث لا يبقى لعامة الناس مجال للتدبر في دعوته والتفكير فيها،فكانوا يقولون عن القرآن: { أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ } الأنبياء: 5 يراها محمد بالليل ويتلوها بالنهار، ويقولون: ( بَلِ افْتَرَاهُ ) من عند نفسه ويقولون: ( إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ) وقالوا: { إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ } الفرقان: 4 أي اشترك هو وزملاؤه في اختلاقه . { وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} الفرقان: 5 .

وأحيانا قالوا: إن له جنًا أو شيطانًا يتنزل عليه كما ينزل الجن والشياطين على الكهان . قال -تعالى- ردًا عليهم: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ } الشعراء: 221، 222 ، أي إنها تنزل على الكذاب الفاجر المتلطخ بالذنوب، وما جرّبتم عليَّ كذبًا، وما وجدتم فيَّ فسقًا، فكيف تجعلون القرآن من تنزيل الشيطان ؟

وأحيانًا قالوا عن النبي -صلى الله عليه وسلم: إنه مصاب بنوع من الجنون، فهو يتخيل المعانى، ثم يصوغها في كلمات بديعة رائعة كما يصوغ الشعراء، فهو شاعر وكلامه شعر . قال -تعالى- ردًا عليهم: { وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ } الشعراء: 225 ،226 ، فهذه ثلاث خصائص يتصف بها الشعراء ليست واحدة منها في النبي -صلى الله عليه وسلم-، فالذين اتبعوه هداة مهتدون، متقون صالحون في دينهم وخلقهم وأعمالهم وتصرفاتهم، وليست عليهم مسحة من الغواية في أي شأن من شئونهم، ثم النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يهيم في كل واد كما يهيم الشعراء، بل هو يدعو إلى رب واحد، ودين واحد، وصراط واحد، وهو لا يقول إلا ما يفعل، ولا يفعل إلا ما يقول، فأين هو من الشعر والشعراء ؟ وأين الشعر والشعراء منه .

هكذا كان يرد عليهم بجواب مقنع حول كل شبهة كانوا يثيرونها ضد النبي -صلى الله عليه وسلم- والقرآن والإسلام.

ومعظم شبههم كانت تدور حول التوحيد، ثم رسالة محمد -صلى الله عليه وسلم-، ثم بعث الأموات ونشرهم وحشرهم يوم القيامة، وقد رد القرآن على كل شبهة من شبهاتهم حول التوحيد، بل زاد عليها زيادات أوضح بها هذه القضية من كل ناحية، وبين عجز آلهتهم عجزًا لا مزيد عليه،وكان هذا مثار غضبهم واستنكارهم الذي أدَّى إلى ما أدَّى إليه .

أما شبهاتهم في رسالة النبي-صلى الله عليه وسلم- فإنهم مع اعترافهم بصدق النبي-صلى الله عليه وسلم-وأمانته وغاية صلاحه وتقواه،كانوا يعتقدون أن منصب النبوة والرسالة أجلُّ وأعظمُ من أن يُعطى لبشر، فالبشر لا يكون رسولًا، والرسول لا يكون بشرًا حسب عقيدتهم . فلما أعلن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن نبوته، ودعا إلى الإيمان به تحيروا وقالوا: { مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ} الفرقان: 7 ، وقالوا: إن محمدًا -صلى الله عليه وسلم- بشر، و { مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ } الأنعام: 19 ، فقال -تعالى- ردًا عليهم: { قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاء بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ )، وكانوا يعرفون ويعترفون بأن موسى بشر . ورد عليهم -أيضًا- بأن كل قوم قالوا لرسلهم إنكارًا على رسالتهم: ( إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا} إبراهيم: 10 ، فـ { َالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ } إبراهيم: 11 . فالأنبياء والرسل لا يكونون إلا بشرًا، ولا منافاة بين البشرية والرسالة .

وحيث أنهم كانوا يعترفون بأن إبراهيم و إسماعيل وموسى ـ عليهم السلام ـ كانوا رسلًا وكانوا بشرًا، فإنهم لم يجدوا مجالًا للإصرار على شُبهتهم هذه، فقالُوا: ألم يجد الله لحمل رسالته إلا هذا اليتيم المسكين، ما كان الله ليترك كبار أهل مكة والطائف ويتخذ هذا المسكين رسولًا { وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ } الزخرف: 31 ، قال -تعالى- ردًا عليهم: { أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ} الزخرف: 32 ، يعنى أن الوحي والرسالة رحمة من الله و { اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} الأنعام: 124 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت