فهرس الكتاب

الصفحة 5870 من 9994

قال: حتى إذا طال عليَّ ذلك في جفوة المسلمين، مشيت حتى جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي، وأحبُّ الناس إليَّ فسلمت عليه، فوا الله ما رد عليَّ السلام، فقلت: يا أبا قتادة، أنشدك الله، هل تعلمني أحب الله ورسوله فسكت، فعدت، فناشدته، فسكت، فعدت فناشدته فقال: الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي، وتوليت حتى تسورت الجدار، إنه مع ما في هذا الموقف من زيادة الحرج على كعب رضي الله عنه حتى إنه لم يملك عيناه أن فاضتا إلا أنه يبين صدق الاتباع والائتمار بأمر رسول الله ، فأبو قتادة كان خِلواً من الرقيب والحسيب، وكعب أحب الناس إليه وأقربهم منه، ومع ذلك لم يزد أن قال: الله ورسوله أعلم، ولا يعد كلامًا عرفًا كما قال ابن القيم رحمه الله: وهكذا ضاقت على كعب الأرض بما رحبت، بل ضاقت عليه نفسه التي بين جنبيه، فبعد هذا الجواب من أحب الناس إليه لا يرجو عند أحد فرجها، قال: فبينا أنا أمشي بسوق المدينة، إذا نبطي من أنباط الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدل على كعب بن مالك، فطفق الناس يشيرون له حتى إذا جاءني، دفع إليَّ كتابًا من ملك غسان، فإذا فيه: أما بعد: فإنه بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك. حينها هل انفرجت أسراير كعب، وصاح في أعماقه أن جاء الفرج، وسار فرحًا مغتبطًا ليعد العدة للمسير إلى ملك غسان ليخرج من هذا الخناق... كلا... بل قال: وهذا أيضًا من البلاء فتيممت التنور فسجرتها، أي أحرقتها، لقد كان بمقدور كعب أن يفكر في الأمر أو يشاور، والملك لم يدعه إلى كفر أو فسوق بل كل ما قال: إلحق بنا نواسك، ولكنه الحزم والرشد وسد كل باب يفضي إلى الهلاك والعطب، ولم يقل نذهب ونجرب، فالقضية ليست موضع تجربة.

قال كعب: حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا رسول رسول الله يأتيني فقال: إن رسول الله يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقلت: أطلقها؟ قال: لا، ولكن اعتزلها ولا تقربها، وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك فقلت لامرأتي: ألحقي بأهلك، فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر، فجاءت امرأة هلال بن أمية فقالت: يا رسول الله إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه قال: لا، ولكن لا يقربك، قالت: إنه والله ما به حركة إلى شيء، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا، قال كعب: فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله في امرأتك كما أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه، فقلت: والله لا أستأذن فيها رسول الله وما يدريني ما يقول رسول الله إذا استأذنته فيها، وأنا رجل شاب. إنه موقف الحزم والطاعة يتكرر مع كعب، فلم يقل وما شأن المرأة ما ذنبها؟ وإنما: إلحقي بأهلك حتى يقضي الله في هذا الأمر. ... ...

الخطبة الثانية ... ...

قال كعب: ولبثت بعد ذلك عشر ليالٍ حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله عن كلامنا، فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة على سطح بيت من بيوتنا بينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله تعالى، قد ضاقت عليَّ نفسي، وضاقت عليَّ الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ أوفى من جبل سلع بأعلى صوته، يا كعب بن مالك: أبشر، فخررت ساجدًا فعرفت أن قد جاء فرج من الله، وآذن رسول الله بتوبة الله علينا حين صلى الفجر فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبي مبشرون فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبيَّ فكسوته إياهما ببشراه، والله ما أملك غيرهما، واستعرت ثوبين، فلبستهما، فانطلقت إلى رسول الله فتلقاني الناس فوجًا فوجًا يهنئونني بالتوبة يقولون: ليهنك توبة الله عليك، قال كعب: حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله جالس حوله الناس، فقام إليَّ طلحة بين عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إليَّ رجل من المهاجرين غيره، ولست أنساها لطلحة، وهكذا استقبله الناس ولكأنما هم أهل التوبة وحالهم تحكي: أنا نحبك يا كعب، ولكنه الاتباع والانصياع لأمر الله ورسوله، ولبيان حالهم يقول: ما مثلك يجفى ويقلى، ولكن لقول الله ورسوله: سمعنا وأطعنا.

وفي هذا مشروعية سجود الشكر عند الفرج والفرح وإهداء المبشر ومكافئته، واستحباب التبشير والحفاوة بمن فرج الله عنه وتاب عليه كما فعل طلحة. عندها سار كعب إلى النبي إلى الوجه الذي طالما شاع عنه تأديبًا، وأعرض عنه تربية وتأنيبًا، سار إلى الرجل الذي أحبه كأعظم ما يكون الحب يفديه بالنفس والمال والأهل، تقدم ليصافح اليد الحانية، التي ما لامسها منذ خمسين ليلة، تقدم ليسمع الصوت الحنون الرخيم، وأذنه قد اشتاقت لجميل صوته، ولطيف عباراته.

قال: فلما سلمت على رسول الله قال: وهو يبرق وجهه من السرور: (( أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك ) )قلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: (( لا بل من عند الله ) )وكان رسول الله إذا سُر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر. وكنا نعرف ذلك منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت