فهرس الكتاب

الصفحة 5869 من 9994

وكان من عادته إذا جاء من سفر أو غزاة أن يبدأ بالمسجد، فيصلي ركعتين ثم يجلس للناس. فجاءه المخلفون، فطفقوا يعتذرون إليه، ويحلفون له، هذا يشكي مرضه، وذاك قلة ذات اليد عنده، وآخر نساءه وعوراته، كانوا بضعة وثمانين رجلاً، فقبل منهم علانيتهم، وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله، وجاءه كعب بن مالك، فلما سلم عليه، تبسم تبسم المغضب، ثم قال له: تعال: فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي: (( ما خلفك، ألم تكن قد اتبعت ظهرك ) )فقلت: بلى، إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أن أخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلاً، ولكني والله لقد علمت أن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عليَّ، ليوشكن الله أن يسخطك عليَّ، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه، إني لأرجو فيه عفو الله عني، والله ما كان لي من عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك، فقال رسول الله: (( أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك ) )إنه الصدق شعار المتقين الصالحين قد يكون أثره القريب ألمًا وحسرة، ولكن عواقبه فوز وفلاح، إنه الدرس العظيم للأمة بأن تعيش في حياتها تحت لواء الصدق، إنه الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب، حتى يكتب عند الله كذابًا.

فقمت، وثار رجال من بني سلمة، فاتبعوني يؤنبوني فقالوا لي: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبًا قبل هذا، ولقد عجزت ألا تكون اعتذرت إلى رسول الله بما اعتذر إليه المخلفون فقد كان كافيك ذنبك واستغفار رسول الله لك، قال: فوالله ما زالوا يؤنبوني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي، ثم قلت: هل لقي هذا معي أحد؟ قالوا: نعم، رجلان قالا مثل ما قلت، فقيل لهما مثل ما قيل لك، فقلت: من هما؟ قالوا: مرارة بن الربيع العامري، وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا لي رجلين صالحين شهدا بدرًا فيهما أسوة، فمضيت حين ذكروهما لي.

وهنا يفتن كعب بقرابته فزينوا له العذر وكفاية الاستغفار من رسول الله ، ومن هنا كان لزامًا على أبناء الأمة أن يعلموا أن النصح والمشورة لا تؤخذ إلا ممن وفق للهدى والاتباع الذي يتمشى مع الحق حيث كان، لا من يلوي عنق الحق والحقيقة ليكسب ود قريب أو شريف، ويرى بعين كسيرة لا تبصر إلا ما تحت يدها من الأهداف. لذلك كان كعب رضي الله عنه حازمًا قويًا حين رضي بالصدق، والحق وإن كان مر المذاق في أوله، ولم يغرَّه وهو الذي رأى أصحاب القلوب المريضة يعتذرون ويتخلقون الأعذار فيؤذن لهم،لا بل ويستغفر لهم.

وهو حينما صدق أُلجئ لا يدري إلى أين يكون مصيره، إنه الفهم الثاقب، والنظرة البعيدة لحقائق الأمور وبواطن تلك الحقائق.

عندها صدر الأمر، وشاع الإعلان أن قاطعوا الثلاثة من بين من تخلف، قال كعب: فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا، حتى تنكرت لي الأرض، فما هي بالتي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، لا إله إلا الله إنها ليست مسألة سهلة أن تكون بين أهلك وقومك وفي بلدك وديارك وبين عشية وضحاها ينقلب كل شيء، بينما الوجوه تهش وتبش لك إذا بالعبوس يعلوها والشحوب يكسوها قد كانت بالأمس القريب تحادثني وتلاطفني فما بالها اليوم، قد أبدلت بالحديث هجرًا وصمتًا، والبشر عبوسًا وصدًا، قال: فأما صاحباي، فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشبَّ القوم وأجلدهم فكنت أخرج، فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق، ولا يكلمني أحد، وأتى رسول الله ، فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرّك شفتيه برد السلام عليَّ أم لا؟ ثم أصلي قريبًا منه، فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي، أقبل إليَّ وإذا التفت نحوه، أعرض عني، إنها المعاناة الحقيقة أن تسير بين أهلك وأحبابك، لا يحدثك أحد ولا يبتسم في وجهك مخلوق، بل تخاطب القوم فلا تتحرك لهم شفه، ويذهب إلى أحب الناس إليه وأرحمهم به، إلى البر الرحيم، إلى رسول الله، الذي لطالما علّمه وواساه وسأل عن حاله فيسلم عليه فلا يرد عليه السلام، إنه حصار نفسي رهيب، وحرب على المشاعر كبيرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت