خامسًا: علينا أن نتعرف على طبيعة الأرض قبل أن نحرث فيها الحرث؛ بمعني أن نكون على معرفة بأحوال المدعوين النفسية، وظروفهم الاجتماعية، ودراسة البيئة التي ندعو فيها، وخير قدوة لنا في ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي كان على علم بالأفراد؛ فتعلمون في صلح الحديبية يوم يأتي أحد المشركين للصلح، فيقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: هذا رجل فاجر، فكان كما قال -صلى الله عليه وسلم- ولم يجعل معه شيء قال: ويأتي آخر، فيقول -صلى الله عليه وسلم-:"هذا رجل متألِّه ابعثوا الهدي في وجهه"، فبعثوا الهدي في وجهه، فرجع وهو يقول: ما كان لمثل هؤلاء أن يُصَدُّوا عن البيت، ويأتي [سهيل] ، فيقول النبي -صلى الله عليه وسلم-:"سَهُل أمرُكم؛ فكان الصلح."
بل إنه -صلى الله عليه وسلم- هو الأسوة كان يدرس نُظُم الحُكم والبيئات التي هي حواليه، فيقول لأصحابه:"إن في ملكًا لا يُظلم عنده أحد"فيأمرهم بالهجرة إليه، ويقول [لمعاذ] : إنك تأتي قومًا أهل كتاب؛ فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله .
سادسًا: لا يعول على الكثرة من الجماهير في الرخاء وقت الشدة بل ليكن التعويل على أصحاب السوابق، يا أهل سورة البقرة، ويا أهل بيعة الشجرة.
سابعًا: المنبر من أعظم وسائل الدعوة إلى الله، لكنه ليس الوسيلة الوحيدة؛ فهناك الرسائل، وهناك الهاتف والملصقات والكتب واللقاءات والأشرطة، وما الأشرطة؟ مالئة الدنيا ونافعة الناس قال فيها أحد العلماء:
وفي كل زمان مضى آية *** وآية هذا الزمان الشريط
ولن يعدم قاصد الخير الوسائل الشرعية إن خطط ودرس وأخلص وصدق.
ثامنًا: الترفع عن مجاراة السفهاء؛ إذ كيف يجاري العالم السفيه؟ وكيف يعامل الحليم من فقد الحلم؟ وكيف يباري الخَلُوقُ سيئ الخلق؟ إنه إقحام للنفس في ميدان لا تقبل فيه السلامة، ولا تؤمن فيه العاقبة؛ فأمسك -أيها الداعية ويا طالب العلم- عن مخاطبة السفهاء، ومجاراة السفهاء، والتورُّط معهم، فهم موجودون في كل عصر، وهم موجودون في كل بيئة يشاغبون مع كل داعية، لا يخلو منهم جيل، ولذا نبه القرآن الكريم على خطرهم، وحذر عن مجاراتهم ومناقشاتهم فقال: (وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ)
تاسعًا: لا تلتفت إلى الوراء؛ فإن وراء الداعية نعيقًا وعواءً للباطل لو التفت إليه لربما تأثر به، ولربما ضعف سيره به وانشغل به عمَّا هو أهم منه، ولذا ضرب [ابن القيم] -عليه رحمة الله- مثلاً للمتلفت لنعيق الباطل بالظبي، ومثل أهل الباطل بالكلب، فيقول: الظبي أشد سعيًا من الكلب، لكن الظبي إذا أحس بالكلب وراءه التفت إليه، فضعف سعيه، فأدركه الكلب، وهو أبطأ منه؛ فالسالك لهذا الطريق ليس في وقته متسع لتشتيته هنا وهناك؛ فكيف يتأثر بأقاويل وادعاءات المبطلين، من يثق بالطريق الذي يسير فيه إذا صاحوا به في طريق سَيره فلا تلتفت إليهم .
عاشرًا: إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم، لا تأخذ العلم من صاحب هوى أو من غافل (وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا)
أخيرًا: وقد أطلت في هذه النقطة لأهميتها، لابد للطلب والدعوة من صبر عظيم كصبر الجماد، وليكن معزيك ما يجده الصابر عند ربه يوم يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب. إن المريض ليتجرع الدواء المرَّ لا يكاد يسيغه؛ أملاً في حلاوة العافية ولو بعد حين .
صبرت ومن يصبر يجد غبِّ صبره *** ألذ وأحلى من جنى النحل في الفم
ومن عوامل بناء النفس: المداومة على العمل وإن قل؛ لأن المداومة على الأعمال الصالحة والاستمرار عليها تثبيت وترويض للنفس البشرية لمواجهة أعباء الطريق وتكاليفه، وصرفٌ لمكايد الشيطان ونوازعه، ولذا لمَّا سئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أي الأعمال أحب إلي الله؟ قال:"أدومها وإن قل"كما روي [البخاري] ، ويقول صلى الله عليه وسلم"أديموا الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد"فإذا عود المرء نفسه على الفضائل انقادت له -ولاشك-، وإذا تهاون فأقدم مرة وأحجم مرة كان إلى النكوص أقرب، والشيطان إذا رآك مداومًا على طاعة لله -عز وجل- فبغاك وبغاك؛ فإن رآك مداومًا مَلَّكَ ورفضك، وإن رآك مرة هكذا ومرة هكذا طمع فيك؛ فداوم على الطاعات؛ فإن الله من فضله وكرمه أنه إذا جاء ما يصرفك عن أداء الطاعات من عجز ومرض وفتنة؛ فإن الأجر يجزيه الله -تعالى- لك كما كنت صحيحًا كما أخبر بذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- كما في البخاري"إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا"فضلا من الله ونعمة فله الحمد