فهرس الكتاب

الصفحة 5791 من 9994

ومن كتم علمُا ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة وما أحوج الأمة في حاضرها إلى الدعوة إلى الله -جل وعلا-. ما أحوج الأمة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على بصيرة، على علم مستوعب للشرع والواقع والبيئة وأحوال الناس. إن تبليغ هذا الدين، يروض النفوس ويكسبها الصبر، ويكسبها الحلم والطمأنينة والسكينة؛ إذ إنه ولابد من مخالطة المدعوين، لابد من الصبر على أذاهم، والحنو عليهم لانتشالهم مما هم فيه، ومن يبني غيره هو أحق بأن يكون ثابت البناء، لا يُزحزَح بسهولة. إن سفينة الأمة تتقاذفها الأمواج يُمْنَة ويسرة، ويخرق فيها المفسدون كل يوم خرقًا؛ فإن لم تجد من يصلح تلك الخروق، فلربما تتحطم السفينة، وتغرق، ولاشك وسيغرق من على ظهرها. ركابها بحاجة إلى أن يكونوا على قدر كبير من الوعي والبناء واليقظة لما يراد بهم، وبإصلاح النفوس تصلح السفينة وتسلم -ولاشك-.

هاهو رجل من الصالحين في مدينة -كما ذكر من نحسب أنه ثقة- يقول: كان له عمل مسائي، وهذا العمل المسائي امتد لمدة شهر. كان له عمل مسائي يقول: فكنت آتي كل ليلة من الليالي. يقول: فكنت أمُرُّ على أحد الأرصفة فأجد عليها أربعة من شباب هذه الأمة يلبسون من الثياب ما يستحيي إبليس أن يلبسه، ومعهم من آلات اللهو ما ينزه المقام عن ذكره. قال: فكنت أتأثر لحالهم، وأذهب لعملي قال: وجئت في اليوم الثاني، وإذ هم على آلات اللهو، وفي جلسةٍ اللهُ يعلمها قال: وأتأثر لذلك، وشهر كامل وأنا أمر عليهم على هذا الرصيف. قال: فجئت في ذلك اليوم، وقلت: والله لئن جلسوا إلى الغد لأتين إليهم ولأذكرنهم بالله -الذي لا إله إلا هو-. قال: وجئت في اليوم الثاني وانطلقت لعملي. قال: ومررت فإذا الأربعة على ما هم عليه. قال: فأوقفت سيارتي بعيدًا عنهم. قال: ثم تقدمت إليهم وئيدَ الخُطى؛ علَّهم أن يعدلوا من جلستهم، أو يغيِّروا من بعض المنكرات التي هم عليها. قال: ولا بأس بذلك قاموا، فأدخلوا العود في السيارة، وأطفئوا ما معهم من سجائر، وأطفئوا الموسيقى، وجلسوا جلسة معتدلة. قال: فتقدمت إليهم، وسلمت عليهم واستأذنت، فأذنوا لي. قال: فجلست إليهم، وقلت: أنتم تعلمون لِمَ جئت، يا أيها الشباب؛ أنتم أحفاد أبي بكر وعثمان وعمر وعلي -رضي الله عنهم وأرضاهم- أرأيتم لو انحرفت سيارة من هذا الشارع، ثم ارتطمتْ بكم وأنتم على هذا الحال، أيسركم أن تلقوا الله بذلك؟ ثم ذكرتهم بالقبر والمصير الذي ينتظرهم، ثم ذكرتهم بوقوفهم بين يديْ الله -عز وجل- وبمصيرهم إما إلي الجنة وإما إلى النار، قال: وإذا بدموعهم تنزل على خدودهم، وإذ بأحدهم يقول: وشهر وأنت تمر علينا، لا سامحك الله. قال: ولم؟ قال: أرأيت لو أخذنا الله قبل هذه الليلة والله لا نسامحك بين يديْ الله -جل وعلا-. يقول هذا الأخ: فإن الأربعة لأئمةُ مساجد الآن.

إن الأمة لأحوج ما تكون إلى كلمة اتقوا الله، عودوا إلى الله، أيسرُّكم أن تلقوا الله بم أنتم عليه من المنكرات؟ كلمات بسيطة، لكن الله -عز وجل- إذا علم من قائلها الصدق نفع الله -عز وجل- بها

فادع الله يا طالب العلم محتسبًا أجرك على الله أكرم الأكرمين لكني أقول لك: يا طالب العلم، يا أيها الداعية إلى الله لابد أن تضع نصب عينيْك بعض الأمور الغير المرتبة:

أولاً: أن الحكمة مطلوبة، وهي وضع الشيء في موضعه (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) فالشدة في موضوعها حكمة، والرفق في موضعه حكمة، وما كان في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه. ووضع الندى في موضع السيف بالعلا مُضِرٌ كوضع السيف في موضع الندى.

ثانيًا: رَبِّ نفسك وربِّ الناس، وابنهم على صغار العلم قبل كباره؛ فإن غذاء الكبار -كما يقال- سم الصغار، فلو قدمت لقمة لحم لرضيع لربما تقتله فلينتبه لذلك. التدرج في طلب العلم؛ فالقفزات المحطمة لا خير فيها.

ثالثًا: تحديد الهدف مع الدراسة والتخطيط؛ لاتخاذ الوسائل المناسبة الموصلة إلى الهدف، ومثل الذين يعلمون من غير تحديد لأهدافهم كمثل إنسان يضرب في الصحراء دون أن يكون معه دليل يرشده أو قائد يهديه، ولا شك أنه سيظل يسير حتى يَمَلَّ السير، ويضرب في الأرض حتى يضطرب ويختل، وعندئذ يتمنى لو يعود من حيث أتى، وهيهات هيهات، ولاشك أن الهدف هو نشر دين الله في الأرض كما أمر؛ فلابد من وسائل صحيحة سليمة ومقدمات معينة توصل للهدف المطلوب، وهي غير خافية على المسلم البصير.

رابعًا: ليس كل ما يعرف يقال، ولكل مقام مقال، حدثوا الناس بم يعرفون. أتريدون أن يُكذَّب الله ورسوله؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت