فهرس الكتاب

الصفحة 5671 من 9994

وذكرت لكم من قبل قصة ثابت بن قيس - خطيب النبي عليه الصلاة والسلام - كان جهوري الصوت لما نزلت هذه الآية اعتزل مجلس النبي عليه الصلاة والسلام ؛ فلما سأله بعد ذلك ، قال: إني جهوري الصوت ، وأخشى أن أتكلم فيعلوا صوتي على صوتك ، فيُحبط عملي فأهلِك"."

فكانوا يراعون مقام وقدر وعظمة النبي صلى الله عليه وسلم وذلك ينبغي أن يكون في حياتنا .

وأيضاً نقول إن هذا التعظيم أولاً محله القلب .. أول تعظيمٍ مطلوب تعظيم القلب ؛ بالاعتقاد الجازم بنبوة النبي عليه الصلاة والسلام ، وتقديم محبته على النفس والولد والوالد أجمعين .

ومن تعظيم القلب - كذلك - استشعار هيبته عليه الصلاة والسلام ، وجلالة قدره ، وعظيم شأنه ، واستحضار محاسنه ونحو ذلك .

ثم تعظيمٌ باللسان ، وحسن ذكره وبدوام الصلاة عليه والثناء عليه الصلاة والسلام .

ثم تعظيم الجوارح وأعظمه العمل بشريعته ، واتباع سنته ، والتزام أوامره ظاهراً وباطناً .

ثم يلحق بهذا التعظيم - أيضاً - توقير وتعظيم آله وأزواجه رضوان الله عليهم أمهات المؤمنين ، وآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم لهم حقٌ على أمة محمد أن يوقروهم ويعظموهم، ما كانوا مستقيمين على أمر الله سبحانه وتعالى وذلك له كلام نفيس .

ومن ذلك توقير أصحابه رضوان الله عليهم كما قال النووي:"الصحابة كلهم عدولٌ من لا بس الفتن وغيرهم بإجماع".

ولذلك من انتقص أحداً من أمهات المؤمنين أو أحداً من الصحابة ؛ فإنه مغموسٌ في دينه واعتقاده ؛ لأنه طعن فيمن زكّاهم الله - عز وجل - وفيمن هم من ذوي قرابة النبي عليه الصلاة والسلام ؛ وحسبك أن مكان الزوجة من زوجها وكون أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بقين في عصبته إلى أن مات عليه الصلاة والسلام ، فكيف يطعن في أمهات المؤمنين إلا من زاغ قلبه نسأل الله عز وجل السلامة !!

ثم كذلك توقير أصحابه كما قلنا .

وأخيراً نختم بهذه الومضات المشرقة الجميلة الرائعة من صور تعظيم الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم:

كان منزل أبي أيوب يتألف من طبقة فوقها علية ، فأخلى العلية من متاعه ومتاع أهله لينزل فيها الرسول صلى الله عليه وسلم ، لكن النبي صلى الله عليه وسلم آثر عليها الطبقة السفلى ، فامتثل أبو أيوب لأمره ، وأنزله حيث أحب ، ولما أقبل الليل ، وأوى الرسول صلى الله عليه وسلم إلى فراشه ، صعد أبو أيوب وزوجه إلى العلية وما إن أغلقا عليهما بابهما حتى التفت أبو أيوب إلى زوجته وقال: ويحك ، ماذا صنعنا ، أيكون رسول الله صلى الله عليه وسلم أسفل ، ونحن أعلى منه ؟! أنمشي فوق رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟! أنصير بين النبي والوحي ؟! إنا إذا لهالكون ، وسقط في أيدي الزوجين وهما لا يدريان ما يفعلان .. ولم تسكن نفساهما بعض السكون إلا حين انحازا إلى جانب العلية الذي لا يقع فوق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والتزماه لا يبرحانه إلا ماشيين على الأطراف متباعدين عن الوسط ، فلما أصبح أبو أيوب قال للنبي صلى الله عليه وسلم: والله ما أغمض لنا جفن في هذه الليلة لا أنا ولا أم أيوب ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ومم ذاك يا أبو أيوب ؟

قال: ذكرت أني على ظهر بيت أنت تحته ، وإني إذا تحركت تناثر عليك الغبار فآذاك ، ثم إني غدوت بينك وبين الوحي ، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: هون عليك يا أبا ايوب ، إنه أرفق بنا أن نكون في الأسفل ، لكثرة من يغشانا من الناس.

قال أبو أيوب: فامتثلت لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أن كانت ليلة باردة فانكسرت جرة لنا واريق ماؤها في العلية ، فقمت إلى الماء أنا وأم أيوب ، وليس لدينا إلا قطيفة كنا نتخذها لحافا ، وجعلنا ننشف بها الماء خوفا من أن يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما كان الصباح غدوت على الرسول صلى الله عليه وسلم وقلت: بأمي أنت وأمي ، إني أكره أن أكون فوقك ، وأن تكون أسفل مني ، ثم قصصت عليه خبر الجرة ، فاستجاب لي ، وصعد إلى العلية ، ونزلت أنا وأم أيوب إلى أسفل .

البيهقي في شعب الإيمان يروي لنا أن الصحابة كان أبو بكر إذا كلم الرسول صلى الله عليه وسلم لات يكلمه إلا كأخي السرار . أي كأنما تتكلم مع صديق لك بهدوء ، وكأنك تسرُّ له نوع من التوقير والتعظيم لمقام الرسول صلى الله عليه وسلم .

في حديث البراء:"خرجنا مع الرسول صلى الله عليه وسلم وجلسنا حوله ، كأن على رؤوسنا الطير"، من السكون والهيبة والصمت إجلالاً لرسول الله عليه الصلاة والسلام .

وعن بريدة بن حصين أيضاً فيما رواه البيهقي قال:"كنا إذا قعدنا عند الرسول صلى الله عليه وسلم لم نرفع رؤوسنا إليه إعظاماً له".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت