وقال في شرح قول ابن عباس رضي الله عنهما: (لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وجد اليهود يصومون عاشوراء) :"استشكل هذا لأن قدومه صلى الله عليه وسلم إنما كان في ربيع الأول، وأجيب باحتمال أن يكون علمه بذلك تأخر إلى أن دخلت السنة الثانية، قال بعض المتأخرين: يحتمل أن يكون صيامهم كان على حساب الأشهر الشمسية، فلا يمتنع أن يقع عاشوراء في ربيع الأول، ويرتفع الإشكال بالكلية، هكذا قرره ابن القيم في الهدي، قال: وصيام أهل الكتاب إنما هو بحساب سير الشمس، قلت: وما ادعاه من رفع الإشكال عجيب؛ لأنه يلزم منه إشكال آخر وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر المسلمين أن يصوموا عاشوراء بالحساب، والمعروف من حال المسلمين في كل عصر في صيام عاشوراء أنه في المحرم لا في غيره من الشهور، نعم وجدت في الطبراني بإسناد جيد عن زيد بن ثابت قال: ليس يوم عاشوراء باليوم الذي يقول الناس، إنما كان يوم تستر فيه الكعبة وتقلس فيه الحبشة، وكان يدور في السنة، وكان الناس يأتون فلانا اليهودي يسألونه، فلما مات أتوا زيد بن ثابت فسألوه. فعلى هذا فطريق الجمع أن تقول: كان الأصل فيه ذلك، فلما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بصيام عاشوراء رده إلى حكم شرعه، وهو الاعتبار بالأهلة، فأخذ أهل الإسلام بذلك، لكن في الذي ادعاه أن أهل الكتاب يبنون صومهم على حساب الشمس نظر، فإن اليهود لا يعتبرون في صومهم إلا بالأهلة، هذا الذي شاهدناه منهم، فيحتمل أن يكون فيهم من كان يعتبر الشهور بحساب الشمس، لكن لا وجود له الآن، كما انقرض الذين أخبر الله عنهم أنهم يقولون، عزير ابن الله تعالى الله عن ذلك" ( [5] ) .
قال الحافظ:"حكى الأزرقي أن معاوية كساها الديباج والقباطي والحبرات, فكانت تكسى الديباج يوم عاشوراء، والقباطي في آخر رمضان... وسيأتي في أوائل غزوة الفتح ما يشعر أنها كانت تكسى في رمضان" ( [6] ) .
وقال في أوائل غزوة الفتح في شرح قوله صلى الله عليه وسلم: (( هذا يوم يعظِّم الله فيه الكعبة، ويومٌ تُكسى فيه الكعبة ) ) ( [7] ) :"قيل: إن قريشا كانوا يكسون الكعبة في رمضان فصادف ذلك اليوم, أو المراد باليوم الزمان كما قال: يوم الفتح, فأشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى أنه هو الذي يكسوها في ذلك العام, ووقع ذلك" ( [8] ) .
( [1] ) أخرجه البخاري في الحج (1592) .
( [2] ) فتح الباري (3/455) .
( [3] ) أخرجه الطبراني في الكبير (5/138) ، وقال الهيثمي في المجمع (3/187) :"لا أدري ما معناه، وفيه عبد الرحمن بن أبي الزناد، وفيه كلام كثير، وقد وثق"، وحسن الحافظ إسناده في الفتح (4/248) .
( [4] ) فتح الباري (4/248) .
( [5] ) فتح الباري (7/276) .
( [6] ) فتح الباري (3/459) .
( [7] ) جزء من حديث، أخرجه البخاري في قصة الفتح (4280) .
( [8] ) فتح الباري (8/9-10) .
تاسعا: مساجلة علمية لطيفة حول التوسعة على العيال يوم عاشوراء:
بمناسبة يوم عاشوراء ننقل فيما يلي مساجلة علمية لطيفة، حصلت بين عالمين كبيرين من علماء الجزائر الداعين إلى السنة والمحاربين للبدع، حول مسألة التوسعة على العيال في هذا اليوم، وفيها من الفوائد والدروس ما لا يخفى على اللبيب:
ورد على قسم الفتوى من جريدة البصائر العدد (15) ( [1] ) ـ لسان حال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ـ استفتاءٌ هذا نصه:
"سأل السيد محمد بن عبد الله الطنجي الساكن في البُلَيدة بقوله: أفتى بعض الطلبة بجواز التوسعة على العيال يوم عاشوراء، واعتمد في فتواه تلك حديث: (( من وسع على عياله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته ) )، وهل هذا الحديث الذي استدل به صحيح أو حسن أو ضعيف أو موضوع؟ أفيدونا تؤجروا".
فأجاب على هذا الاستفتاء الشيخ أبو يعلى الزواوي رحمه الله ـ وكان هو المتولي قسم الفتوى بالجريدة ـ فأجابه بالتالي:
"أصاب من أفتى بذلك، وإن التوسعة على العيال مطلوبة في المواسم كلها، وفي غير المواسم، قال تعالى: {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا ءاتَاهُ اللَّهُ} [الطلاق:7] ، والحديث في معجم الطبراني ولفظه: (( من وسع على عياله في يوم عاشوراء وسع الله عليه في سنته كلها ) )."
قلت: وأجبنا هذا السائل أخذًا لخاطره فقط، ومن حيث السؤال على الحديث، وإلا فإن الإنفاق على العيال لا يُستفتى فيه، إنما يستفتى في عدم الإنفاق إن استطاع وبخل"."
وفي العدد (20) ( [2] ) ورد مقال للشيخ عمر بن البسكري بعنوان: (وتعانوا على البر والتقوى. كتاب كريم إلى أخ كريم) وهذا نصّه:
"من عبد ربه عمر بن البسكري إلى أخيه بل والده الإصلاحي شيخ المصلحين، ومصلح الشيوخ سيدي أبي يعلى سعيد الزواوي أمد الله في عمره لنفع المسلمين، السلام عليكم ورحمة الله، وبعد: فقد اطلعت لفضيلتكم بجريدة"البصائر"على ما يتحتم التنبيه عليه؛ والدعوة إلى إصلاح خلله، لما في الأثر: (( المؤمن للمؤمن كالمرآة ) )، ولما في الصحيح: (( المؤمن لأخيه المؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا ) )."