فهرس الكتاب

الصفحة 5589 من 9994

وجاء في أجوبة اللجنة الدائمة للإفتاء ما نصه:"يجوز صيام يوم عاشوراء يوما واحدا فقط، لكن الأفضل صيام يوم قبله أو يوم بعده، وهي السنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (( لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع ) )، قال ابن عباس رضي الله عنهما: (يعني مع العاشر) " ( [6] ) .

وقال الشيخ ابن باز:"صوم التاسع مع العاشر أفضل، وإن صام العاشر مع الحادي عشر كفى ذلك لمخالفة اليهود، وإن صامهما جميعا مع العاشر فلا بأس لما جاء في بعض الروايات: (( صوموا يوما قبله ويوما بعده ) )، أما صومه وحده فيكره، والله ولي التوفيق" ( [7] ) .

2-إذا وافق عاشوراء يوم سبت:

عن عبد الله بن بسر، عن أخته الصماء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم، وإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنب أو عود شجرة فليمضغه ) ) ( [8] ) .

قال ابن القيم:"وقد أشكل هذا الحديث على الناس قديما وحديثا:"

فقال أبو بكر الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن صيام يوم السبت يفرد به، فقال: أما صيام يوم السبت يفرد به فقد جاء فيه ذلك الحديث حديث الصماء، يعني: حديث ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن عبد الله بن بسر، عن أخته الصماء، عن النبي صلى الله عليه وسلم: (( لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم ) ).

قال أبو عبد الله: يحيى بن سعيد ينفيه، أبى أن يحدثني به، وقد كان سمعه من ثور، قال: فسمعته من أبي عاصم.

قال الأثرم: حجة أبي عبد الله في الرخصة في صوم يوم السبت أن الأحاديث كلها مخالفة لحديث عبد الله بن بسر:

منها حديث أم سلمة حين سئلت: أي الأيام كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر صياما لها؟ فقالت: السبت والأحد.

ومنها حديث جويرية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها يوم الجمعة: (( أصمت أمس؟ ) )قالت: لا، قال: (( أتريدين أن صومي غدا؟! ) )فالغد هو يوم السبت.

وحديث أبى هريرة: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الجمعة إلا مقرونا بيوم قبله أو يوم بعده، فاليوم الذي بعده هو يوم السبت.

وقال: (( من صام رمضان وأتبعه بست من شوال ) )، وقد يكون فيها السبت.

وحث على صيام الأيام البيض، وقد يكون فيها السبت، ومثل هذا كثير.

فقد فهم الأثرم من كلام أبي عبد الله أنه توقف عن الأخذ بالحديث، وأنه رخص في صومه، حيث ذكر الحديث الذي يحتج به على الكراهة، وذكر أن الإمام علل حديث يحيى بن سعيد وكان ينفيه وأبى أن يحدث به فهذا تضعيف للحديث.

واحتج الأثرم بما ذكر في النصوص المتواترة على صوم يوم السبت، يعني أن يقال: يمكن حمل النصوص الدالة على صومه على ما إذا صامه مع غيره، وحديث النهي على صومه وحده، وعلى هذا تتفق النصوص.

وهذه طريقة جيدة لولا أن قوله في الحديث: (( لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم ) )دليل على المنع من صومه مفردا أو مضافا؛ لأن الاستثناء دليل التناول، وهو يقتضي أن النهي عنه يتناول كل صور صومه إلا صورة الفرض، ولو كان إنما يتناول صورة الإفراد لقال: لا تصوموا يوم السبت إلا أن تصوموا يوما قبله أو يوما بعده، كما قال في الجمعة، فلما خص الصورة المأذون في صومها بالفرضية علم تناول النهي لما قابلها.

وقد ثبت صوم يوم السبت مع غيره بما تقدم من الأحاديث وغيرها، كقوله في يوم الجمعة: (( إلا أن تصوموا يوما قبله أو يوما بعده ) )، فدل على أنه غير محفوظ وأنه شاذ، وقد قال أبو داود: قال مالك: هذا كذب، وذكر بإسناده عن الزهري أنه كان إذا ذكر له النهي عن صيام يوم السبت يقول: هذا حديث حمصي، وعن الأوزاعي قال: ما زلت كاتما له حتى رأيته انتشر، يعني حديث ابن بسر هذا.

وقالت طائفة منهم أبو داود: هذا حديث منسوخ.

وقالت طائفة وهم أكثر أصحاب أحمد: محكم، وأخذوا به في كراهية إفراده بالصوم، وأخذوا بسائر الأحاديث في صومه مع ما يليه. قالوا: وجواب أحمد يدل على هذا التفصيل، فإنه سئل في رواية الأثرم عنه فأجاب بالحديث، وقاعدة مذهبه أنه إذا سئل عن حكم فأجاب فيه بنص يدل على أن جوابه بالنص دليل على أنه قائل به؛ لأنه ذكره في معرض الجواب، فهو متضمن للجواب والاستدلال معا، قالوا: وأما ما ذكره عن يحيى بن سعيد فإنما هو بيان لما وقع من الشبهة في الحديث، قالوا: وإسناده صحيح، ورواته غير مجروحين ولا متهمين، وذلك يوجب العمل به، وسائر الأحاديث ليس فيها ما يعارضه؛ لأنها تدل على صومه مضافا، فيحمل النهي على صومه مفردا كما ثبت في يوم الجمعة.

ونظير هذا الحكم أيضا كراهية إفراد رجب بالصوم، وعدم كراهيته موصولا بما قبله أو بعده، ونظيره أيضا ما حمل الإمام أحمد عليه حديث العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبى هريرة في النهي عن الصوم بعد انتصاف شعبان، أنه النهي عن ابتداء الصوم فيه، وأما صومه مع ما قبله من نصفه الأول فلا يكره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت