فهرس الكتاب

الصفحة 5586 من 9994

قال ابن القيم:"إن قيل: لم كان عاشوراء يكفر سنة، ويوم عرفة يكفر سنتين؟ قيل: فيه وجهان:"

أحدهما أن يوم عرفة في شهر حرام وقبله شهر حرام وبعده شهر حرام، بخلاف عاشور.

الثاني أن صوم يوم عرفة من خصائص شرعنا بخلاف عاشوراء، فضوعف ببركات المصطفى صلى الله عليه وسلم. والله أعلم" ( [19] ) ."

وقال الحافظ ابن حجر:"وظاهره أن صيام يوم عرفة أفضل من صيام يوم عاشوراء، وقد قيل في الحكمة في ذلك: إن يوم عاشوراء منسوب إلى موسى عليه السلام، ويوم عرفة منسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلذلك كان أفضل" ( [20] ) .

وقد استشكل بعضهم هذا الحديث بأنه إذا كان دأب العبد صيام يومي عرفة وعاشوراء، فماذا عسى أن يكفر صيام عاشوراء وقد تقدمه صيام يوم عرفة الذي يكفر سنة ماضية وأخرى آتية؟! وقد أجاب عن ذلك ابن القيم فقال:"وينبغي أن يعلم أن سائر الأعمال تجري هذا المجرى، فتفاضل الأعمال عند الله تعالى بتفاضل ما في القلوب من الإيمان والإخلاص والمحبة وتوابعها، وهذا العمل الكامل هو الذي يكفر السيئات تكفيرا كاملا، والناقص بحسبه، وبهاتين القاعدتين تزول إشكالات كثيرة، وهما: تفاضل الأعمال بتفاضل ما في القلوب من حقائق الإيمان، وتكفير العمل للسيئات بحسب كماله ونقصانه. وبهذا يزول الإشكال الذي يورده من نقص حظه من هذا الباب على الحديث الذي فيه: (( إن صوم يوم عرفة يكفر سنتين، ويوم عاشوراء يكفر سنة ) )، قالوا: فإذا كان دأبه دائما أنه يصوم يوم عرفه فصامه وصام يوم عاشوراء، فكيف يقع تكفير ثلاث سنين كلَّ سنة؟! وأجاب بعضهم عن هذا بأن ما فضل عن التكفير ينال به الدرجات، ويا لله العجب، فليت العبد إذا أتى بهذه المكفرات كلها أن تكفر عنه سيئاته باجتماع بعضها إلى بعض، والتكفير بهذه مشروط بشروط، وموقوف على انتفاء موانع في العمل وخارجه، فإن علم العبد أنه جاء بالشروط كلها، وانتفت عنه الموانع كلها، فحينئذ يقع التكفير، وأما عمل شملته الغفلة أو لأكثره، وفقد الإخلاص الذي هو روحه، ولم يوَفّ حقّه، ولم يقدره حق قدره، فأي شيء يكفر هذا؟! فإن وثق العبد من عمله بأنه وفاه حقه الذي ينبغي له ظاهرا وباطنا، ولم يعرض له مانع يمنع تكفيره، ولا مبطل يحبطه، من عجب أو رؤية نفسه فيه أو يمن به أو يطلب من العباد تعظيمه به أو يستشرف بقلبه لمن يعظمه عليه أو يعادي من لا يعظمه عليه ويرى أنه قد بخسه حقه وأنه قد استهان بحرمته، فهذا أي شيء يكفر؟! ومحبطات الأعمال ومفسداتها أكثر من أن تحصر، وليس الشأن في العمل، إنما الشأن في حفظ العمل مما يفسده ويحبطه" ( [21] ) .

11-وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بصيام يوم عاشوراء ويحثنا عليه، ويتعاهدنا عنده، فلما فرض رمضان لم يأمرنا ولم ينهنا، ولم يتعاهدنا عنده ( [22] ) .

12-وعن الربيع بنت معوذ بن عفراء رضي الله عنها قالت: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار التي حول المدينة: (( من كان أصبح صائمًا فليتم صومه، ومن كان أصبح مفطرًا فليتم بقية يومه ) )، فكنا بعد ذلك نصومه، ونصوّم صبياننا الصغار منهم إن شاء الله، ونذهب إلى المسجد فنجعل لهم اللعبة من العهن، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناها إياه عند الإفطار. وفي رواية: ونصنع لهم اللعبة من العهن، فنذهب به معنا، فإذا سألونا الطعام أعطيناهم اللعبة تلهيهم، حتى يتموا صومهم ( [23] ) .

قال النووي:"العهن: هو الصوف مطلقًا، وقيل: الصوف المصبوغ... وفي هذا الحديث تمرين الصبيان على الطاعات، وتعويدهم العبادات، ولكنهم ليسوا مكلفين" ( [24] ) .

13-وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( عاشوراء عيد نبي كان قبلكم، فصوموه أنتم ) ) ( [25] ) .

قال المناوي:"روي أنه يوم الزينة الذي كان فيه ميعاد موسى لفرعون، وأنه كان عيدا لهم، قال ابن رجب: وهذا يدل على النهي عن اتخاذه عيدا، وعلى ندب صوم أعياد الكفار" ( [26] ) .

( [1] ) أخرجه البخاري في الصوم (2006) واللفظ له، ومسلم في الصيام (1132) .

( [2] ) فتح الباري (4/249) .

( [3] ) أخرجه البخاري في الصوم (2000) مختصرًا، ومسلم في الصيام (1126) واللفظ له.

( [4] ) أخرجه البخاري في الصوم (2002) ، ومسلم في الصيام (1125) .

( [5] ) شرح صحيح مسلم (8/4) .

( [6] ) فتح الباري (4/246) .

( [7] ) أخرجه البخاري في الصوم (2005) ، ومسلم في الصيام (1131) .

( [8] ) شرح صحيح مسلم (8/9) .

( [9] ) شرح صحيح مسلم (8/10-11) .

( [10] ) أخرجه البخاري في الصوم (2004) ، ومسلم في الصيام (1130) .

( [11] ) فتح الباري (4/247 ـ 248) .

( [12] ) عون المعبود (4/78 ـ 79) .

( [13] ) أخرجه مسلم في الصيام (1134) .

( [14] ) نيل الأوطار (4/244) .

( [15] ) أخرجه البخاري في الصوم (2007) ، ومسلم في الصيام (1135) .

( [16] ) أخرجه مسلم في الصيام (1127) .

( [17] ) أخرجه البخاري في الصوم (2003) ، ومسلم في الصيام (1129) .

( [18] ) أخرجه مسلم في الصيام (1162) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت