فهرس الكتاب

الصفحة 5579 من 9994

كان يتعمد جرح مشاعر المسلمين، فكان يقف عند أبواب المساجد يشعل السيجار، وكان كما قال عن نفسه: يريد من ينهاه ليبطش به.

وتطاول به الزمن، وذهب إلى مدينة أخرى، فسكن السكن الجامعي، ولقيه زميل له كانت بينهما صداقة قديمة، فدله على شريط إسلامي مؤثر، فأخذه تزجية للوقت ونزولاً عند رغبة زميله.

ولما سمعه، قلب موازينه، وغير حياته، وبدَّل مستقبله، فقام إلى المسجد واستهل حياته بصلاة المغرب، وأقبل إلى الإيمان، فملأ به قلبه، وعاشر الأخيار وأنس بهم، وصاحب القرآن آناء الليل وأطراف النهار.

تراه بعد الهداية سهلاً ليناً قريباً منك، وهو اليوم يعزم على الذهاب إلى أفغانستان للجهاد ليتقرب إلى الله بدماء الملاحدة.

ومثله في شجاعته وإقدامه مكسب لهذا الدين،"وما كان قولهم إلا أن قالوا ربّنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبِّتْ أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين فآتاهم الله ثواب الدنيا وحُسنَ ثوابِ الآخرة والله يحبُّ المُحسنين". ( آل عمران: الآيتان 147-148)

بعنا النفوس فلا خيار ببيعنا

أعظم بقوم بايعوا الغفارا

فأعاضنا ثمناً ألذ من المنى

جنات عدن تتحف الأبرارا

8.شابان بتوبان في زمن واحد: هذان الشابان من منطقة واحدة، في سن واحدة، أحدهما يعمل أستاذاً في مدرسة، والثاني موظف بمستشفى.

تنكرا لهذا الدين، ورفضا أوامره ونواهيه.

أحدهم سهر مع زملائه في لعب الورق من بعد صلاة العشاء إلى ما بعد صلاة الظهر من اليوم الثاني.

فيا حسرتا كيف انطوى العمر مسرعاً

صرفناه في عود ولهوٍ ومرقص

كان المسجد بجوار بيته، لكن قلبه ليس بجوار المسجد، كانت تمر عليه فترات من العناد يستهزىء فيها بالدين وأوامره من صلاة وذكر وأذان وسنن.

نام ليلة من الليالي بطيئة النجوم، وارفة الأنداء، طيبة السحر، فانتابته، وهو في نومه حالة من الاختناق والرعب، أشرف منها على الموت، واستيقظ، ولا يزال الاختناق يزاوله ويطارحه.

وأحسّ بالموت حقيقة، وذاق طمعه.

وفي أثناء هذا الصراع تذكر القدوم على الله عز وجل، تذكر حياته وأيامه، تذكر خطاياه وسيئاته، نسي كل لذة، وذهب عنه كل متاع وتخلى عنه كل حبيب، وأخذ يعاهد الله تعالى لئن أنجاه من الموت ليعودن إليه، وليتوبن من إصراره وفجوره.

واستفاق، وقد أطلق عنه الخناق، فما كان منه إلا أن صرح بالتوبة وانفجر باكياً.

ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي

جعلت الرجا ربي لعفوك سلما

وقام فتوضأ، وأخذ في صلاته، ينتحب، ويناجي مولاه حتى أظله الفجر، فذهب إلى بيت الله عز وجل، منشرح الصدر، حيّ القلب، عامر الوجدان، ولسان حاله يقول:

اليوم ميلادي الجديد وما مضى

موت بليت به بليل داج

أنا قد سريت إلى الهداية عارجاً

يا حسن ذا الإسراء والمعراج

أما الشاب الثاني، والفارس التالي، فكزميله تماماً في الغواية والانحراف، بل عرف عنه تعاطي المخدرات بجسارة، والسقوط في المحرمات بجدارة، ولكن دعاة الإسلام وقفوا على الطرقات وأفواه السكك، يصيدون القلوب، يعتقون الرقاب من أسر الشيطان وجنوده.

ومر هذا الشاب بداعية، فحياه الداعية، وتبسم في وجهه، وأهدى له كتاب"الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي"لابن القيم، فانطلق الشاب فرحاً بشيئين:

الأول: اللقاء الحار الباسم من الداعية.

الثاني: الهدية الثمينة التي تبني في القلب قصور الأمل والود.

وبدأ الشاب مع ابن القيم في رحلة ممتعة عبر كتابه، لكن ابن القيم لم يتركه يفلت من يديه حتى أعلن توبته وعودته وإنابته.

ثم واصل مع ابن القيم في كتبه حتى امتلأ حباً للإسلام، وشوقاً للرسول صلى الله عليه وسلم، وعبودية لله الواحد الأحد. وأصبح هذا الشاب في عداد الأخيار على المثل العليا والمبادئ الأصيلة.

"أفمن يمشي مُكبّاً على وجهه أهدى أمَّن يمشي سويًّا على صراط مستقيم". ( الملك: الآية 22)

أسأل الله تعالى أن يجعلني وإياكم من التائبين الصادقين، وأن يعيد الأمة إليه عوداً حميداً، والله أعلم.

(1) أخرجه مسلم ( 2577) من حديث أبي ذر رضي الله عنه، وقد سبق.

المراجع د. عائض القرني، للشباب خاصة، ص 173-192 ... ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت