فهرس الكتاب

الصفحة 5578 من 9994

وملخص قصته: أنه أبصر الحق بعد عمى، ورأى الطريق بعد ضلال، ورزقه الله التوبة. وقد ذهب إلى أفغانستان للجهاد وعاد، وهو عاكف على بعض البحوث القيمة، وقام بجمع أدعية القرآن.

كتب إليّ في رسالته يوصيني بالزهد في الدنيا، وبذل العلم والتواضع، فشكرت ذلك له، وأعجبني فيه حبه للصالحين، ومرافقته لهم، وحرصه على الفائدة، وفيه مرح ودعابة تحببه إلى إخوانه.

التائبون إلى رحابك أقبلوا

عافوا بحبك نومهم فسجدوا

أبواب كل مالك قد أوصدت

ورأيت بابك واسعاً لا يوصد

كلمات التائبين صادقة، ودموعهم حارة، وهممهم قوية، ذاقوا حلاوة الإيمان بعد مرارة الحرمان، ووجدوا برد اليقين بعد نار الحيرة، وعاشوا حياة الأمن بعد مسيرة القلق والاضطراب،"قال اهبطا منها جميعاً بعضكم لبعضٍ عدوٌ فإمّا يأتينَّكم مِنِّي هُدًى فمن اتبع هداىَ فلا يضلُّ ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ونحشرهم يوم القيامة أعمى". ( طه: الآيتان 123-124)

6.شاعر يتوب: هذا الشاعر المسلم المجاهد له أجم قصيدة تتحدث عن الرثاء في تاريخ الأدب الإسلامي، عاش قبل أن يتوب هائماً في أودية الشقاوة والحرمان، عاش غافلاً عن حياته ومستقبله، رافق عصابة من أهل الإجرام مهمتهم السلب والنهب ونصب الكمائن للمسافرين: يسرقون ويفتكون ويقتلون، قد ماتت الرقابة في أنفسهم، فلا تمر قافلة إلا سرقوا متاعها.

ليلهم: سهر ضائع، ونهارهم: دمار وتخريب، والقلب إذا صد عن منهج الله عمي وضل.

واستمرت بهذا الرجل هذه الحالة زمناً طويلاً، ولكنْ..مهما طال الحرمان، فلا يأس، فإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون.

سبحان من يعفو ونهفو دائماً

ولم يزل مهما هفا العبد عفا

يعطي الذي يخطي ولا يمنعه

جلاله عن العطا لذي الخطا

وفي يوم جميل من أيام الله عز وجل المباركة، ويوم يولد فيه الإنسان مولداً جديداً، هو يوم التوبة والإقبال على الله عز وجل.

في هذا اليوم تمر بهذا الرجل سرية من الجيش الإسلامي تريد الجهاد في سبيل الله، يقود هذه السرية ( سعيد بن عثمان بن عفان) .

فيرى بعينه هؤلاء الشباب الذين باعوا أنفسهم من الله، فاشتراها منهم بالجنة بعقد وميثاق. فأتوا إلى الأعداء ليسلموا السلعة ويأخذوا الثمن، رآهم وقد ظهرت على وجوههم أنوار الطاعة وإشراقات العبادة.

عباد ليلٍ إذا جنَّ الظلام بهم

كم عابد دمعه في الخد أجراه

وأسْد غاب إذا نادى الجهاد بهم

هبّوا إلى الموت يستجدون رؤياه

فتفكر هذا المذنب في نفسه وتأمل حياته وقارن بين حالته وحالة هؤلاء الفتية.

ليله غناء ومكاء وتصدية، وليلهم بكاء ودعاء ودموع.

نهاره سلب ونهب وفتك، ونهارهم في جهاد وتضحية ودعوة.

قلبه هائم في أودية الشهوات، ومسافر في بحار الملذات، وقلوبهم مليئة بحب الله وحب رسوله صلى الله عليه وسلم، مشرقة بنور القرآن والسنة، فيا بعْد ما بين الحياتين والمنهجين ؟

فاستفاق الرجل، وأشرقت بنور الله عز وجل، وتقدم إلى القائد ووضع يمينه في يمينه، وأعلن التوبة والعودة إلى الله، لقد نالت الكرامة يمناه، وأبصرت الحق عيناه.

فقل للعيون الرمد للشمس أعين

تراها بحق في مغيب ومطلع

سامحْ عيوناً أطفأ الله نورها

بأهوائها لا تستفيق ولا تعي

وسافر مع الجيش غازياً في سبيل الله تعالى بائعاً نفسه من ربه.

لقد أقبل بقلبه على الله عز وجل، ولقد عرف الصراط المستقيم. ولقد صدق مع الله:"والذين جاهدوا فينا لنهدينَّهم سُبُلنا وإنَّ الله لمَع المُحسنين". ( العنكبوت: الآية 69)

وفي طريقه إلى الجهاد لدغته حية، فاضطرب جسمه ودنت منيته وتيقن بالفراق من هذه الحياة، وتذكر أيامه السالفة وتسلى بتوبته. ثم ذكر أمّه وإخوته وزوجته، وملاعب الصبا، ومراتع الطفولة، فانفجر باكياً بقصيدة، وانتح بأبيات ما سمع الشعراء مثلها.

قصيدة فيها السحر الحلال، قصيدة تحمل الأسى واللوعة والشجى الحرقة، قصيدة فيها إعلان التوبة والعودة إلى الله تعالى، فاسمع إليه وهو يقول:

فالله دري يوم أترك طائعاً

بنيَّ بأعلى الرقمتين وداريا

ألم ترني بعت الضلالة بالهدى

وأصبحت في جيش ابن عفان غازياً

7.تاب إلى الله قبل الغروب: هذا الشاب من أهل أبها يعرفه كثير من الإخوة والمحبين، وكان كبير الجسم عملاق البنية، درس الابتدائية فكان مثلاً ونموذجاً لعالم العفاريت! بقلب الكراسي على الطاولات، والطاولات على الكراسي.

دخل الثانوية فملأها رعباً، وضجيجاً، وصخباً، امتلأ ملفه بالعناد والسباب والشتائم والملاكمات، يصل بيته في الظهر ضارباً أو مضروباً.

لنا في كل يوم من معدّ

سباب أو قتال أو هجاء

انتظم في كلية الشريعة، فكانت الشريعة مشرقة وهو مغرب! دعاه القائمون على الشريعة، فوعظوه فما أفاد، وخوفوه فما استفاد، ورغبوه فما استجاب، وأرهبوه فما أجاب، وفي الأخير دعاه أحد المسؤولين فسلمه ملفه، وأخبره أن الكلية لا تستطيع تحمل تبعاته.

ذهب من الكلية هائماً بلا عمل، فارغاً بلا شغل، يتعرض للشباب فيصدهم عن سبيل الله، ويستهزىء بالصالحين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت