وأما ما روي عن ابن عمر-رضي الله عنهما- وعن علي بن الحسين زين العابدين-رضي الله عنه- وعن أبيه أنهما كانا يقولان في الأذان: (حي على خير العمل) فهذا في صحته عنهما نظر، وإن صححه بعض أهل العلم عنهما، لكن ما قد علم من علمهما وفقههما في الدين يوجب التوقف عن القول بصحة ذلك عنهما؛ لأن مثلهما لا يخفى عليه أذان بلال-رضي الله عنه-ولا أذان أبي محذورة-رضي الله عنه-، وابن عمر-رضي الله عنهما-قد سمع ذلك وحضره، وعلي بن الحسين-رحمه الله-من أفقه الناس، فلا ينبغي أن يظن بهما أن يخالفا سنة رسول الله-صلى الله عليه وسلم- المعلومة المستفيضة في الأذان، ولو فرضنا صحة ذلك عنهما فهو موقوف عليهما، ولا يجوز أن تعارض السنة الصحيحة بأقوالهما ولا أقوال غيرهما؛ لأن السنة هي الحاكمة مع كتاب الله العزيز على جميع الناس، كما قال الله-عز وجل -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} النساء:59، وقد رددنا هذا اللفظ المنقول عنهما وهو عبارة (حي على خير العمل) في الأذان إلى السنة فلم نجدها فيما صح عن رسول الله-صلى الله عليه وسلم - من ألفاظ الأذان.
وأما قول علي بن الحسين-رضي الله عنه-فيما يروى عنه أنها في الأذان الأول، فهذا يحتمل أنه أراد به الأذان بين يدي الرسول-صلى الله عليه وسلم- أول ما شرع، فإن كان أراد ذلك فقد نسخ بما استقر عليه الأمر في حياة النبي-صلى الله عليه وسلم-وبعدها من ألفاظ أذان بلال, وابن أم مكتوم, وأبي محذورة-رضي الله عنهم-وليس فيها هذا اللفظ ولا غيره من الألفاظ المذكورة في السؤال، ثم يقال: إن القول بأن هذه الجملة موجودة في الأذان الأول إذا حملناه على الأذان بين يدي رسول الله-صلى الله عليه وسلم-غير مسلم به؛ لأن ألفاظ الأذان من حين شرع محفوظة في الأحاديث الصحيحة وليس فيها هذه الجملة، فعلم بطلانها وأنها بدعة.
ثم يقال أيضًا: علي بن الحسين-رضي الله عنه-من جملة التابعين، فخبره هذا لو صرح فيه بالرفع فهو في حكم المرسل، والمرسل ليس بحجة عند جماهير أهل العلم، كما نقل ذلك عنهم الإمام أبو عمر بن عبد البر في كتاب التمهيد، وهذا لو لم يوجد في السنة الصحيحة ما يخالفه، فكيف وقد وجد في الأحاديث الصحيحة الواردة في صفة الأذان ما يدل على بطلان هذا المرسل وعدم اعتباره، والله الموفق (6) .
قال الشيخ سلمان بن فهد العودة (في محاضرة له بعنوان"سلوكيات خاطئة في الأذان":"و مما زاده الناس في الأذان وليس منه(حي على خير العمل) وهذه زيادة وجدت عند الرافضة في كافة طوائفهم من الإمامية, والزيدية, وغيرها يضيفون في أذانهم بعد حي على الفلاح"حي على خير العمل"حي على خير العمل"وهذه الزيادة أيضًا لا تثبت في حديث مرفوع إلى النبي-صلى الله عليه وسلم-بحال من الأحوال، والأحاديث الواردة في"حي على خير العمل"والآثار تنقسم إلى ثلاثة أقسام:-
القسم الأول: منها أحاديث صريحة، لكنها مكذوبة ملفقة لا أصل لها، وذلك كالحديث الذي رُوي عن أبي محذورة أن النبي-صلى الله عليه وسلم-قال له: {إذا أذنت فاجعل في آخر الأذان حي على خير العمل حي على خير العمل} وهذا الحديث في سنده أبو بكر أحمد بن محمد بن السري ، قال فيه الذهبي: رافضي كذاب غير ثقة، ونقل عنه جماعة من العلماء من الكفر والفجور ما يدل على أنه لا خير فيه قبحه الله، قالوا: إن هذا الرجل كان يقول في تفسير قوله تعالى: {وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ} الحاقة:9 أنه يفسر هذه بعمر-رضي الله عنه-قال: وجاء فرعون فذكر أمير المؤمنين, ومن قبله فذكر الخليفة الراشد الأول، والمؤتفكات فذكر أمهات المؤمنين عائشة, وحفصة فلعنة الله عليه وجزاه الله-تعالى-بما يستحق على هذا البهت والفجور والإفك العظيم.
ومن النصوص والآثار: الواردة في"حي على خير العمل"نصوص صريحة، وقد لا تكون ضعيفة جدًا؛ ولكنها ليست بحجة؛ لأن الحجة كما سلف في كلام الله-تعالى-أو كلام رسول الله-صلى الله عليه وسلم-، واختلف الأصوليون في كلام الصحابة إذا لم يعارض نصًا هل يكون حجة أو لا؟.
على قولين، لكنهم لم يختلفوا أبدًا في أن قول الصحابي إذا عارض قول النبي-صلى الله عليه وسلم-فإنه ليس بحجة، كما أنهم لم يختلفوا أبدًا في أن أقوال التابعين ليست بحجة في الدين، إنما يحتج بقال الله قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-فقط:
العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة هم أولو العرفان
أما قال فلان قال علان، خاصة إذا كان مخالفًا لما جاء عن الرسول-صلى الله عليه وسلم-فلا حجة فيه.
فالنوع الثاني: آثار موقوفة على بعض التابعين، أو قد تكون مقطوعة إلى بعض التابعين، أو قد تكون موقوفة على بعض الصحابة، وأشهرها أثران:
أولهما: أثر مروي عن علي بن الحسين بن علي المعروف بزين العابدين، وهذا الأثر فيه أن علي بن الحسين: حي على خير العمل، يقول: هذا هو الأذان الأول، والأثر رواه البيهقي في سننه وفي سنده ضعف.
ولكن على فرض أنه حسن فقد حسنه بعض أهل العلم فإنه مقطوع من علي بن الحسين، فبين علي بن الحسين وبين رسول الله-صلى الله عليه وسلم-مفاوز تنقطع فيها أعناق المطي، فلا حجة في قوله.
الأثر الثاني: ما رواه البيهقي وعبد الرازق وغيرهما أيضًا عن ابن عمر-رضي الله عنه-أنه كان يُؤذن بها في السفر، وسندها إلى ابن عمر لا بأس به جيد، والجواب على ما نقل عن ابن عمر من وجوه:
الوجه الأول: ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله تعالى-في مجموع الفتاوى ، قال:"إن بعض الصحابة كانوا ينادون بها في حال معينة، لتحريض الناس على الصلاة، وليست من الأذان"أي: ليس يدخلها في الأذان إنما ينادي بها هكذا من عند نفسه، ليست داخلة في صلب الآذان.
الجواب الثاني: أن يقال: إنه من الثابت أن ابن عمر-رضي الله عنه-كان لا يرى الأذان في السفر، وهذا رأي خاص له، ذكره عنه البيهقي بأسانيد جيدة, وهو رأي مرجوح على كل حال، والصحيح خلافه، لكن هذا رأيه-رضي الله عنه-كان لا يرى الأذان في السفر إنما يشرع للمقيم فحسب، وإذا لم يكن ابن عمر أصلًا يؤذن في السفر إنما كان ينادي، فإذا جاء وقت الصلاة، قد يقول: حي على الصلاة وقد يقول: حي على الفلاح وقد يقول: حي على خير العمل وقد يقول: حي على عمود الإسلام، وقد يقول أي كلمة يقصد فيها دعوة الناس إلى الصلاة، إلا في صلاة الفجر، فإنه كان يؤذن لها؛ لأن الناس يحتاجون إلى الأذان، ولو كان في سفر، فهذا هو الجواب عما نقل عن ابن عمر-رضي الله عنه-.
النوع الثالث: الذي يستدل بها بعضهم على لفظة"حي على خير العمل"نصوص صحيحة، لكنها لا تتعلق بالأذان لا من قريب ولا من بعيد، تذكر أن الصلاة هي خير العمل، لكن لم تقل قولوا في الأذان هذا الكلام، كلا! مثل حديث ابن مسعود ، وهو في الصحيحين:"أن النبي-صلى الله عليه وسلم- سئل: أي الأعمال أفضل؟ قال: الصلاة على وقتها" (7) .