أما الوجه الأول:"عند دعائه إلى توحيده وطاعته، فإن له أمثلة كثيرة من القرآن؛ منها دعوته لأبيه وقومه إلى عبادة الله وطاعته وترك طاعة ما سواه، ولقد قال بعد إنكاره على أبيه وقومه عبادة ما لا يضر ولا ينفع: { أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ o فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} 10 وقال: ( { لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ o إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ } 11 وقال لأبيه وقومه أيضاً:..ما تعبدون o قالوا نعبد أصناماً فنظل لها عاكفين o قال هل يسمعونكم إذ تدعون o أو ينفعونكم أو يضرون o قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون o قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون o أنتم وآباؤكم الأقدمون o فإنهم عدوٌ لي إلا رب العالمين... 12"
وقال تعالى حاكياً عنه: {وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِه عَالِمِينَ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ} 13
وما كل تلك الدعوات إلى التوحيد والطاعة وإنكار الشرك والعصيان إلا لسلامة قلبه تجاه أهله وقومه والحرص على إيصال الخير إليهم ودعوتهم والنصح لهم ..
النوع الثاني: عند إلقائه في النار: لأن الله - جل وعلا- يدافع عن المؤمنين الموحدين ومن أخلصت قلوبهم له ، فيحفظهم وينجيهم في أشد الظروف وأقساها، ولذلك لما ألقي - عليه السلام- في النار، بعد إنكاره على قومه عبادة غير الله، وكسره لآلهتهم التي يعبدونها، ما كان منهم إلا أن: {قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ قلنا يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم وأرادوا به كيداً فجعلناهم الأخسرين} 14فسلم لما سلم قلبه له سبحانه .. !
علامات القلب السليم:
ومن علامات صحة القلب:
"أن يرتحل عن الدنيا حتى ينزل بالآخرة، ويحل فيها، حتى يبقى كأنه من أهلها وأبنائها، وقد جاء إلى هذه الدار غريباً يأخذ منها حاجته، ويعود إلى وطنه، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم- لعبد الله بن عمر:"كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، وعد نفسك من أهل القبور"15"
وقال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه: إن الدنيا قد رحلت مدبرة، وإن الآخرة قد ترحلت مقبلة، ولكل منها بنون، فكنوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، ...
1.ومن علامات صحة القلب أنه لا يزال يضرب على صاحبه حتى ينيب إلى الله ويخبت إليه، ويتعلق به تعلق المحب المضطر إلى محبوبه، الذي لا حياة له ولا فلاح ولا نعيم ولا سرور إلا برضاه وقربه والأنس به. وعليه يتوكل، وبه يتق، وإياه يرجو، وله يخاف، فذكره قوته، وغذاؤه محبته، والشوق إليه حياته ونعيمه ولذته وسروره، والالتفات إلى غيره والتعلق بسواه داؤه، والرجوع إليه دواؤه... كما قال بعض العارفين: مساكين أهل الدنيا خرجوا من الدنيا وماذا قوا أطيب ما فيها؛ قيل: وما أطيب ما فيها؟ قال: محبة الله، والأنس به، والشوق إلى لقائه، والتنعم بذكره وطاعته.
وقال آخر: إنه ليمر بي أوقات أقول فيها إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب. وقال آخر: والله ما طابت الدنيا إلا بمحبته وطاعته، ولا الجنة إلا برؤيته ومشاهدته.
2.ومن علامات صحة القلب وسلامته: أنه لا يفتر عن ذكر ربه، ولا يسأم من خدمته، ولا يأنس بغيره، إلا بمن يدله عليه، ويذكره به، ويذاكره بهذا الأمر.
3.أنه إذا فاته ورده وجد لفواته ألماً أعظم من تألم الحريص بفوات ماله وفقده.
4.أنه إذا دخل في الصلاة وذهب عنه همه وغمه بالدنيا، واشتد عليه خروجه منها، ووجد فيها راحته ونعيمه، وقرة عينه وسرور قلبه.
5.أن يكون همه واحداً، وأن يكون في الله.
6.أن يكون أشح بوقته أن يذهب ضائعاً من أشد الناس شحاً بماله ومنعاً.
7.أن يكون اهتمامه بتصحيح العمل أعظم منه بالعمل، فيحرص على الإخلاص فيه والنصيحة والمتابعة والإحسان، ويشهد مع ذلك منة الله عليه فيه وتقصيره في حق الله.
وبالجملة فالقلب الصحيح: هو الذي همه كله في الله، وحبه كله له، وقصده له، وبدنه له، وأعماله له، ونومه له، ويقظته له، وحديثه والحديث عنه أشهى إليه من كل حديث، وأفكاره تحوم على مراضيه ومحابه، والخلوة به آثر عنده من الخلطة إلا من حيث تكون الخلطة أحب إليه وأرضى له، قرة عينه به وطمأنينته وسكونه إليه، فهو كلما وجد من نفسه التفاتاً إلى غيره تلا عليها: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارجعي إلى ربك راضية مرضية} 16 فيردد عليها الخطاب بذلك ليسمعه من ربه يوم لقائه، فيصبغ القلب بين يدي إلهه ومعبوده الحق بصبغة العبودية، فتصير العبودية محبة محبوبه لخدمته وقضاء أشغاله، فكلما عرض له أمر من ربه أو نهي أحس من قلبه ناطقاً ينطق: لبيك وسعديك، إ ني سامع مطيع ممتثل، ولك علي المنة في ذلك، والحمد فيه عائد إليك.