قال صاحب عون المعبود: فيه دليل على أنه يقتل من يشتم النبي صلى الله عليه وسلم. ثم قال: وقد نقل ابن المنذر الاتفاق على أن من سبَّ النبي صلى الله عليه وسلم وجب قتله. وقال الخطابي: لا أعلم خلافًا في وجوب قتله إذا كان مسلمًا. وقال ابن بطال: اختلف العلماء في من سبَّ النبي صلى الله عليه وسلم، فأما أهل العهد والذمة كاليهود فقال ابن القاسم عن مالك: يقتل من سبه صلى الله عليه وسلم منهم إلا أن يسلم، وأما المسلم فيُقتل من غير استتابة. ونقل ابن المنذر عن الليث والشافعي وأحمد وإسحاق مثله في حق اليهودي ونحوه. وروى عن الأوزاعي ومالك في المسلم أنها ردة يستتاب منها، وعن الكوفيين إن كان ذميًا عُزِّرَ وإن كان مسلمًا فهي ردة.
موقف اليهود من النبي محمد صلى الله عليه وسلم
لما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة كان اليهود أول من أظهروا الحقد والحسد لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، ومع أن النبي صلى الله عليه وسلم، عاهدهم ووادعهم، وكان المنتظر من أمثالهم أن يكونوا أول من يصدقه ويتبعه، وقد كانوا يستفتحون به على المشركين، ويخبرونهم أنه أظلهم زمان آخر الأنبياء، وأنهم إن ظهر فسوف يتبعونه ويقاتلونهم معه، وهم يعرفون ذلك؛ يعرفون أن محمدًا حق وأن الإسلام حق كما يعرفون أبناءهم، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به، ولقد جاءهم الأمر من اللَّه عز وجل أن يؤمنوا به، وأن يفوا بعهده ليوفي بعهدهم، ونهاهم أن يكونوا أول كافر به، لكن هيهات، فإن قلوبهم قد امتلأت بالحسد عليه صلى الله عليه وسلم، وكانوا حقًا أول من كفر بمحمدٍ ودين محمدٍ صلوات اللَّه وسلامه عليه، ولم يكتفوا بالكفر به، بل حاولوا قتله بكل ما يستطيعون، وبكل ما أوتوا من قوة ومن مكر ودهاء وكيد للإسلام ولنبي الإسلام.
موقف بني قينقاع من الرسول صلى الله عليه وسلم
فأول قبائل اليهود نقضًا للعهد الذي بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم هم بنو قينقاع وذلك في شوال من السنة الثانية من الهجرة بعد غزوة بدر مباشرة، فحاربهم الرسول صلى الله عليه وسلم، فنزلوا على حكمه، وأراد قتلهم فاستوهبهم منه عبد اللَّه بن أبيِّ - وكانوا حلفاءه - فوهبهم له، وأخرجهم من المدينة إلى أذرعات.
موقف بني النضير مع النبي صلى الله عليه وسلم
ثم نقض بنو النضير العهد، وقد أرادوا الغدر برسول صلى الله عليه وسلم عندما خرج إليهم يستعين بهم في دية رجلين من بني عامر قتلهما عمرو بن أمية على سبيل الخطأ، وكان بين بني عامر وبني النضير عقد وحلف، فلما أتاهم يستعينهم قالوا: نعم، ثم خلا بعضهم ببعض وعزموا على قتله صلى الله عليه وسلم بإلقاء صخرة على رأسه وهو جالس بجوار جدار من جدرهم، فأوحي اللَّه تعالى إليه بذلك، فقام منصرفًا، ثم حاصرهم وأجلاهم إلى خيبر والشام. وفي رواية لابن مردويه: أن اليهود بعد غزوة بدر كاتبتهم قريش، فأجمعوا على الغدر برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فأرسلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم: اخرج إلينا في ثلاثة من أصحابك، ويلقاك ثلاثة من علمائنا، فإن آمنوا بك اتبعناك، ففعل صلى الله عليه وسلم، فاشتمل اليهود الثلاثة على الخناجر، فأرسلت امرأة من بني النضير إلى أخ لها من الأنصار مسلم تخبره بأمر بني النضير، فأخبر أخوها النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يصل إليهم، فرجع وصبحهم بالكتائب فحصرهم ثم أجلاهم.
موقف بني قريظة من الرسول صلى الله عليه وسلم
تمالأت قريظة مع قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتحزبت مع الأحزاب، مُجْمِعةً على قتاله وقتال من معه من المسلمين، ناقضة عهدها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك في غزوة الأحزاب، فما كان من النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن توجه إليهم بأمر من اللَّه تعالى، حين نزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم مخبرًا إياه أن الملائكة لم تضع أسلحتها، فانهض بمن معك إلى بني قريظة، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذنًا يؤذن في الناس: من كان سامعًا مطيعًا فلا يصلين العصر إلاَّ في بني قريظة.
موقف يهود خيبر معه صلى الله عليه وسلم
كان يهود خيبر من أكبر المحرضين للمشركين الوثنيين على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل كانوا من أهم الأسباب في تجميع الأحزاب للقضاء على الإسلام ونبي الإسلام، فلذلك بعدما استقر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة وهدأت أحوال المسلمين بها تهيأ النبي صلى الله عليه وسلم وتوجه إلى خيبر، لتأديبهم بسبب نقضهم العهد الذي بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم.