5 ـ حذارِ كل الحذر ـ وأنتم خير من يعلم؛ وإنما هي من باب فذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ـ من التصريحات العنترية التي تثيرها أحياناً نشوات النصر والتي اعتاد بعض الإسلاميين على استعمالها في خطاباتهم لاسيما عند الحديث عن العلاقة مع الغرب، أو مع أعداء الله، فدولة ناشئة لا تريد أن تفتح جبهات كثيرة عليها، ويكفيها تحدي تلك الجبهة الداخلية التي تواجهها، ولا أقصد بالجبهة الداخلية هنا مجرد الجبهة العسكرية، ولكن ثمَّت ما هو أكثر صعوبة من تلك الجبهة العسكرية؛ فالمصاعب الاقتصادية الداخلية، وتوفير الحياة الكريمة للمواطنين قد تكون أكبر من التحديات الخارجية، بشقَّيْها العسكري والسياسي، وعليه فلا داعي أبداً لما يثير كل من يتربص بكم وبالإسلام، والعمل بالمداراة والتروية أصل شرعي عند الحاجة إليه، وسيرة الرسول -صلى الله عليه وسلم- فيها عشرات الأمثلة على ذلك... فلا داعي ـ مثلاً ـ للحديث عن الجهاد في خارج حدود حكمكم في هذا الوقت، ولا داعي ـ أيضاً ـ للحديث عن الانتصار للمستضعفين من المسلمين مثلاً... وهكذا، والرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يتحدث عن الجهاد أبداً في مرحلته المكية، و صبر على رؤية صحابته وهم يعذبون أثناء تلك المرحلة.
6 ـ لا شكّ أن الحديث عن الوحدة أخذ حظاً وافراً ممَّا يصلكم من كتابات، ولو لم يكن إلا قول الله ـ جلَّ وعلا ـ {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} مذكراً وواعظاً لكفى بذلك كل صاحب لب، وفي ضوء ذلك فإنه يجب على الجميع أن يتذكر أن النزاع في مثل حالتكم، والعدو يتربص بكم الدوائر يعد خيانةً لله ورسوله وللأمة، ولا يقوم به إلا خائن عميل، حيث لا مجال لإحسان الظن بنية من يقوم به، ولذا فإن الواجب على أهل العقد والحل فيكم نبذ كل وسيلة تؤدي إلى النزاع، ومن وجد في نفسه رفضاً لاتجاه الجماعة أو الأمير، فعليه إمَّا أن ُيلِزم نفسه بالعمل بما لم يقبله رأيه، وإما أن يعتزل ولا يُحِدث أي فتنة أو شق للصف، وليحتسب في ذلك الأجر، هذا هو السبيل العملي للوحدة، ولا بد لنا جميعا أن نتعلم التنازل عما نراه الحق ـ ولو ظننا أن الأدلة دامغة عليه ـ في مقابل المصالح العليا للأمة، فإنْ عَجَزنا عن مثل هذا الموقف، فلا أكثر من أن ننسحب بهدوء.
7 ـ لا شك أن هذا الانتصار التي حققته تلك القوى الإسلامية سيفصح عن رسالة صارمة وقوية لكل القوى التي تحارب الإسلام في هذه الأيام: بأن الأمة المسلمة لا ترغب إلا في الإسلام، ولن تسلم رقبتها إلاّ إلى للإسلام، وأنها لا تمانع يوماً من الأيام أن تضحي بحياتها وكل ما تملك من أجل الإسلام. فعلينا أن تعترف بالإسلام، وعليها أن تحترم ـ وهنا نحن نخاطبها بلغتها ـ رغبة الشعوب، وعليها أن تدرك أن الإسلام قادم لا محالة، فبرغم جميع المحاولات الصليبية لدحر الإسلام وأهله، إلا أنه يعود وبصورة أقوى ممَّا كان عليه قبل، فتجويع الشعوب وإدخالها في حروب طاحنة أعادها إلى الإسلام وبقوة، كما أن المحاولات العكسية من إغراق الشعوب في الترف أعادها إلى الإسلام، فلتعترف القوى الصليبية بهذا، ولتكفَّ عن مزيد من استثارة الإسلام وأهله، وإلا ستكون العاقبة وخيمة عليها، وعلى من يدور في فلكها.
8 ـ وهنا لا بد من التذكير ـ أيها الفضلاء ـ أن الغرب لا يفهم إلا لغة القوة، فحذار حذار من الانبطاح له بحجة الحكمة وما يسمَّى بفقه الاستضعاف، ففرق بين الاستعداء وبين الانبطاح، وما رأينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- منبطحاً للكفر، وحاشاه أن يفعل ذلك، بل على العكس من ذلك، فلا بد أن تكون رسالتكم للغرب واضحة، بأنكم لستم طرفاً في أي صراع دولي، ولستم امتداداً لجهة معينة، لكنكم مع ذلك لن تقفوا مكتوفي الأيدي عن أي تدخل في شؤونكم، وستدفعون كل ما تملكون من مال ونفس لصيانة كرامتكم، وحفظ بلدكم، فلا بد أن تطالبوا الغرب باحترامكم، والكف عن استثارتكم وإيقاد نار الفتنة بين شعبكم، ولا بد أن يعلم الغرب أنه سيخوض معركة خاسرة بكل المقاييس إذا ما حاول التدخل في الشأن الصومالي، فشعب خاض أكثر من ستة عشر عاماً من الحرب الأهلية أعتى على المحتل من شعب مسالم لا يعرف الحرب، وشعب خسر كل شيء لن يكون لديه ما يحرص على ألاَّ يخسره، وسيحاول جهده إلحاق أكبر قدر من الخسائر بالطرف الآخر.