فالغاية العظمى، والهدف النبيل من هذه العبادة هي غذاء النفس ، فكما أن الجسم غذاؤه الطعام والشراب فالنفس غذاؤها العبادة، فليس الإنسان هو الغلاف المادي الذي نحسه ونراه ، ولكن حقيقة الإنسان هو ذلك الجوهر النفيس الذي صار به سيد المخلوقات، هذا الجوهر الذي يحيى ويسعد بذكر الله والإقبال عليه، ويهلك ويشقى بالغفلة والبعد عنه.
أيها المسلمون: إن القلب الإنساني دائم الشعور بالحاجة إلى الله، وهو شعور أصيل لا يملأ فراغه شيء في الوجود إلا حسن الصلة برب الوجود، وهذا هو جوهر العبادة . فالعبودية الخالصة لله-جل جلاله-هي عين الحرية، وسبيل السيادة الحقيقية، فهي وحدها تعتق القلب من رق المخلوقين، وتحرره من الذل ، والخضوع لكل ما سوى الله من أنواع الآلة والطواغيت ، التي تستعبد الناس ، وتسترقهم.
عباد الله: إن العبادة حق الله على عباده ، فعن معاذ بن جبل-رضي الله عنه-قال: كنت رديف النبي-صلى الله عليه وسلم- فقال لي:"يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد؟"قلت: الله ورسوله أعلم ، قال:"حق الله على العباد أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئًا"7 .
فالعبادة هي: التقرب إلى الله تعالى بما شرعه من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة، وهي حق الله على خلقه وفائدتها تعود إليهم، فمن أبى أن يعبد الله فهو مستكبر، ومن عبد الله وعبد معه غيره فهو مشرك، ومن عبد الله وحده بغير ما شرع فهو مبتدع، ومن عبد الله وحده بما شرع فهو المؤمن الموحد. نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم وبما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه, وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، والهادي إلى صراطه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا أما بعد:
عباد الله: إن رسول الله-صلى الله عليه وسلم-كان أعبد الناس، وأتقاهم, وأخشاهم لربه-سبحانه وتعالى-، وإن لنا القدوة الصالحة والحسنة في اتباعه واقتفاء أثره، والإقتداء به في عبادته، فالعبادة هي روح المسلم, وزاده الذي يحيى به روحه، وتعلوا بها نفسه، فقد كان-عليه الصلاة والسلام- يقوم الليل حتى تتفطر قدماه، وكان يتصدق وينفق في سبيل الله لا يخشى الفقر، وكان يجاهد في سبيل الله فيبلوا بلاءً حسنًا، وكان يصوم حتى يقال أنه لا يفطر، وكان يقوم حتى يقال أنه لا ينام، وكان يحسن إلى الناس، فيساعدهم ويقضي حوائجهم، وكان يدعوهم إلى عبادة الله وحده، وعدم الإشراك به، وإلى الاستعانة به والاستغاثة، والخوف منه، وغيرها من أنواع العبادات والعقائد التي صححها للناس ودعاء إليها، كل ذلك احتسابًا وعبادة وإخلاصًا لله-سبحانه وتعالى- فكن عابدًا مقتديًا برسول الهدى والنور-صلى الله عليه وسلم.
أما صحابة رسول الله-صلى الله عليه وسلم-ومن بعدهم من السلف الصالح فقد فقهوا عن الله أمره، وتدبروا في حقيقة الدنيا، ومصيرها إلى الآخرة، فاستوحشوا من فتنتها، وتجافت جنوبهم عن مضاجعها، وتناءت قلوبهم من مطامعها، وارتفعت، همتهم على السفاسف، فلا تراهم إلا صوَّامين قوامين، باكين والهين، ولقد حفلت تراجمهم بأخبار زاخرة تشي بعلو همتهم في التوبة والاستقامة، وقوة عزيمتهم في العبادة والإخبات، وهاك طرفًا من عباراتهم، وعبادتهم:
فعن فاطمة بنت عبد الملك زوج أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز-رحمه الله-قالت:"ما رأيت أحدًا أكثر صلاة ولا صيامًا منه، ولا أحدًا أشدَّ فَرَقًا من ربه منه، كان يصلي العشاء ثم يجلس يبكي حتى تغلبه عيناه، ثم ينتبه، فلا يزال يبكي حتى تغلبه عيناه، ولقد كان يكون معي في الفراش فيذكر الشيء من أمر الآخرة، فينتفض كما ينتفض العصفور من الماء، ويجلس يبكي، فأطرح عليه اللحاف".
وهذا عامر بن عبد الله قيل له:"كيف صبرك على سهر الليل وظمأ الهواجر؟"، فقال:"هل هو إلا أني صرفتُ طعام النهار إلى الليل، ونومَ الليل إلى النهار؟ وليس في ذلك خطيرُ أميرٍ". وكان إذا جاء الليل قال:"أذهب حَرُّ النار النوم"فما ينام حتى يصبح لله درهم من عُبَّاد.
وعن أحمد بن حرب قال:"يا عجبًا لمن يعرف أن الجنة تُزَيَّنُ فوقه، والنار تُسَعَّرُ تحته، كيف ينام بينهما؟".
عباد لليل إذا جن الظلام بهم كم عابد دمعه في الخد أجراه
وأسدغاب إذا نادى الجهاد بهم هبوا إليه يستجدون رأياهم
يا رب فابعث لنا من مثلهم نفرًا يشيدون لنا مجدًا أضعناه.
عباد الله: إنه هؤلاء السلف الصالح كانت حياتهم عبادة, صيام في النهار، وقيام بالليل، وغزو في سبيل الله, وتنافس في أمر الآخرة، قال الحسن البصري-رحمه الله-:"من نافسك في دينك فنافسه، ومن نافسك في دنياه فألقها في نحره".
فالعبادة دأبهم وديدنهم حتى أن أحدهم كان يرغم نفسه على العبادة فيخوفها بالسوط, فهذا أبو مسلم الخولاني قد علق سوطًا في مسجد بيته يخوف به نفسه، وكان يقول لنفسه:"قومي فو الله لأزحفن بك زحفًا حتى يكون الكلل منكِ لا مني". فهذا هو دأب الصالحين, إذ كانوا مستعدين للموت في أي وقت، وأي لحظة، فهذا منصور بن زاذان:"كان لو قيل له: إن ملك الموت على الباب، ما كان عنده زيادة في العمل"وذلك لما كان عليه من عبادة للمولى تبارك وتعالى. وكان صفوان بن سليم قد تعقدت ساقاه من طول القيام، وبلغ من الاجتهاد ما لو قيل له:"القيامة غدًا"ما وجد متزيدًا.. وكان يقول:"اللهم إني أحب لقاءك فأحب لقائي". وقال أنس بن عياض:"رأيت صفوان بن سليم، ولو قيل له:"غدًا القيامة"ما كان عنده مزيد على ما هو عليه من العبادة".
وهذا وكيع عليه-رحمة الله-: كان عابدًا فقد روي عنه أنه لم تفته التكبيرة الأولى"وكان الربيع بن خثيم يقاد إلى الصلاة وبه الفالج -الشلل-، فقيل له:"قد رُّخِّصَ لك"قال:"إني أسمع"حيَّ على الصلاة"فإن استطعتم أن تأتوها ولو حَبْوًا.
أيها المؤمنون:إن حياة المؤمن كلها عبادة،وطاعة لله-تبارك وتعالى-فهذا حماد بن سلمة قال: ما أتينا سليمان التيمي في ساعة يطاع الله-عزوجل-فيها إلا وجدناه مطيعًا، إن كان في ساعة صلاة، وجدناه مصليًا، وإن لم تكن ساعة صلاة، وجدناه إما متوضئًا، أو عائدًا، أو مشيعًا لجنازة، أو قاعدًا في المسجد، قال: فكنا نرى أنه لا يحسن يعصي الله-عز وجل-8.
أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا أخيَّ المجامعُ
عبد الله: كن عابدًا لله واقتدي برسول الله-صلى الله عليه وسلم-، وأصحابه ومن تبعهم من سلفنا الصالح من علماء ودعاءه ومخلصين، فإن كنت مقتدي فاقتدي بمن قد مات أما الحي فلا تأمن عليه الفتنة.
اللهم اجعلنا لك عابدين لك شاكرين لك ذاكرين لك منيبين يا ربنا يا رب العالمين.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد،
والحمد لله رب العالمين،،،
1 -رواه مسلم.
2 -العبودية ، ص 38 .
3 -مجموع الفتاوى ، 1/39 .
4 -العبودية ، ص 80 .
5 -طريق الهجرتين ، ص 57 .
6 -راجع مجلة البيان،"العبودية لله قواعد ومسائل"د . عبد العزيز آل عبد اللطيف. بتصرف
7 -متفق عليه.
8 -راجع: علو الهمة ص (209-213) .