فهرس الكتاب

الصفحة 489 من 9994

كن عابدًا

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل الله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة عبده, وابن عبده, وابن أمته, ومن لا غنى له طرفة عين عن رحمته، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إمام المتقين، وقدوة العابدين, وسيد المرسلين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} آل عمران:102 {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} النساء:1، وبعد فإن أصدق الحديث كتاب وخير الهدي هدي محمد عبده ورسوله، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.

عباد الله: إن أهم واجب على المكلف, وأعظم فريضة عليه، أن يعبد ربه سبحانه رب السماوات والأرض ورب العرش العظيم, وقد أخبرنا سبحانه في غير ما موضع من كتابه أنه خلق الثقلين لعبادته، فقال-عز وجل-: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ} وهذه العبادة التي خلق الله الثقلين من أجلها هي: توحيده بأنواع العبادة من الصلاة, والصوم, والزكاة, والحج, والسجود, والطواف, والذبح, والنذر, والخوف, والرجاء, والاستغاثة, والاستعانة والاستعاذة، وسائر أنواع الدعاء، ويدخل في ذلك طاعته سبحانه في جميع أوامره وترك نواهيه على ما دل عليه كتابه الكريم وسنة رسوله الأمين عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم، وقد أمر الله سبحانه جميع الثقلين بهذه العبادة التي خلقوا لها، وأرسل الرسل جميعا، وأنزل الكتب لبيان هذه العبادة وتفصيلها والدعوة إليها، والأمر بإخلاصها لله وحده، كما قال-تعالى-: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ البقرة 21 . وقال-عز وجل-: وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} الإسراء 23. ومعنى قضى ربك في هذه الآية أمر وأوصى، وقال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} البينة 5.

وقال-عز وجل-: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} الحشر7، وقال سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا النساء 59.

وقال-عز وجل-: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ...} الآية النساء 80، وقال سبحانه: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ...} الآية النحل 36، فالعبادة علة وجودنا, وسر سعادتنا في الدنيا, وثمن جنة ربنا في الآخرة.

أيها المسلمون: إن جميع الرسل-عليهم الصلاة والسلام-من أولهم إلى آخرهم دعوا إلى عبادة الله-تعالى-وحده لا شريك له: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إلَهٍ غَيْرُهُ الأعراف: 59، كما أن الله-عز وجل - قد جعل العبودية وصفًا لأكمل خلقه وأقربهم إليه وهم الأنبياء والملائكة فقال -سبحانه-: { أَنْ يَسْتَنكِفَ المَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلَّهِ وَلا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إلَيْهِ جَمِيعًا } النساء: 172.

ووصف الله-تعالى-أكرم خلقه عليه وأعلاهم عنده منزلة-بالعبودية في أشرف مقاماته، فقال-تعالى: { تَبَارَكَ الَذِي نَزَّلَ الفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا } الفرقان: 1، وقال -سبحانه: { سُبْحَانَ الَذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إلَى المَسْجِدِ الأَقْصَا الَذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} الإسراء: 1.

وجعل النبي -صلى الله عليه وسلم- إحسان العبودية أعلى مراتب الدين، وهو الإحسان، فقال في حديث جبريل وقد سأله عن الإحسان:"أن تعبد الله كأنك تراه ؛ فإن لم تكن تراه فإنه يراك"1. فكمال المخلوق في تحقيق عبوديته لله-تعالى -، إذ أكرم ما يكون العبد عند الله-تعالى-عندما يكون أعظم عبادة وخضوعًا لله- عز وجل.

فالعبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة2. والعبد كلما كان أذل لله وأعظم افتقارًا إليه وخضوعًا له ، كان أقرب إليه ، وأعزّ له، وأعظم لقدره، فأسعد الخلق: أعظمهم عبودية لله، وأما المخلوق فكما قيل: احتجْ إلى من شئت تكن أسيره ، واستغن عمن شئت تكن نظيره، وأحسن إلى من شئت تكن أميره . فأعظم ما يكون العبد قدرًا وحرمة عند الخلق إذا لم يحتج إليهم بوجه من الوجوه ، فإن أحسنت إليهم مع الاستغناء عنهم ، كنت أعظم ما يكون عندهم ، ومتى احتجت إليهم - ولو في شربة ماء - نقص قدرك عندهم بقدر حاجتك إليهم ، وهذا من حكمة الله ورحمته ، ليكون الدين كله لله ولا يُشرَك به شيء3.

وكمال المخلوق في تحقيق عبوديته لله-تعالى-، وكلما ازداد العبد تحقيقًا للعبودية ازداد كماله وعلت درجته4.

فحاجة الإنسان إلى عبادة الله -تعالى - ضرورية، وفوق كل حاجة ضرورية، يقول ابن القيم - في هذا الصدد:"اعلم أن حاجة العبد إلى أن يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا في محبته، ولا في خوفه، ولا في رجائه، ولا في التوكل عليه، ولا في العمل له، ولا في الحلف به، ولا في النذر له، ولا في الخضوع له، ولا في التذلل والتعظيم ، والسجود والتقرب، أعظم من حاجة الجسد إلى روحه، والعين إلى نورها، بل ليس لهذه الحاجة نظير تقاس به ؛ فإن حقيقة القلب روحه وقلبه ، ولا صلاح لها إلا بإلهها الذي لا إله إلا هو، فلا تطمئن في الدنيا إلا بذكره.. ولا صلاح لها إلا بمحبتها وعبوديتها له ، ورضاه وإكرامه لها"5. فحقيقة العبد قلبه وروحه ، ولا صلاح لها إلا بإلهها، الله الذي لا إله إلا هو, فلا تطمئن في الدنيا إلا بذكره ، وهي كادحة إليه كدحًا فملاقيته، ولا بد لها من لقائه ، ولا صلاح لها إلا بلقائه فلو حصل للعبد لذّات أو سرور بغير الله فلا يدوم ذلك، بل ينتقل من نوع إلى نوع ، ومن شخص إلى شخص ، وتارة أخرى يكون ذلك الذي يتنعم به ويلتذ به غير منعم له ولا ملتذ به ، بل قد يؤذيه اتصاله به ووجوده عنه، ويضره ذلك6.

فالعبادة غاية الخضوع لأمر الله، وغاية محبته فمن أطاعه، ولم يحبه لا يكون عابدًا له، ومن أحبه، ولم يخضع له لا يكون عابدًا له.

تعصي الإله وأنت تظهر حبه ذاك لعمري في المقال شنيعُ

لو كان حبك صادقًا لأطعته إن المحب لمن يحب مطيعُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت