فهرس الكتاب

الصفحة 471 من 9994

الحمد لله الذي هدانا للإسلام، وبصرنا بسنة نبيه محمد عليه الصلاة والسلام، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة على الدوام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، كتب العزة والرفعة لمن اهتدى بهداه، وكتب الذلة والصغار على من خالف أمره، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله خير من أعز الله به الدين، وأخرج به المؤمنين من الذل إلى النصر المبين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.. أما بعد (1) :

فإن الله -تعالى- اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، وعقْدُ التبايع يوجب التسليم من الجانبين، فلما رأى التجارُ عظمة المشترى، وقدر الثمن، وجلالة قدر من جرى عقد التبايع على يديه، ومقدار الكتاب الذي أثبت فيه هذا العقد، عرفوا أن للسلعة قدرًا وشأنًا ليس لغيرها من السلع، فرأوا من الخسران البيِّنِ والغبن الفاحش أن يبيعوها بثمن بخس دراهم معدودة، تذهب لذتها وشهوتها، وتبقى تبعتها وحسرتها، فإن فاعل ذلك معدود في جملة السفهاء، فعقدوا مع المشتري بيعة الرضوان رضىً واختيارًا من غير ثبوت خيار، وقالوا: والله لا نقيلك ولا نستقيلك (2) ، فلما تم العقد وسلموا المبيع قيل لهم: قد صارت أنفسكم وأموالكم لنا، والآن فقد رددناها عليكم أوفر ما كانت، وأضعاف أموالكم معها:

{وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} (آل عمران:169) ،لم نبتع منكم نفوسكم وأموالكم طلبًا للربح عليكم، بل ليظهر أثر الجود والكرم في قبول المعيب والإعطاء عليه أجلّ الأثمان، ثم جمعنا لكم بين الثمن والمثمن..!

أخي -رعاك الله-: تأمل قصة جابر بن عبد الله وقد اشترى منه -صلى الله عليه وسلم- بعيره، ثم وفاه الثمن وزاده ورد عليه البعير، وكان أبوه قد قتل مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في وقعة أُحُد، فذكَّره بهذا الفعل حال أبيه مع الله، وأخبره أن الله أحياه وكلمه كفاحًا وقال: (يا عبدي تمنَّ عليَّ) .3

فسبحان من عظم جوده وكرمه أن يحيط به علم الخلائق! فقد أعطى السلعة وأعطى الثمن، ووفَّق لتكميل العقد، وقبل المبيع على عيبه، وأعاض عليه أجلَّ الأثمان، واشترى عبده من نفسه بماله، وجمع له بين الثمن والمثمن، وأثنى عليه ومدحه بهذا العقد، وهو -سبحانه- الذي وفقه له، وشاءه منه:

فحيَّ هلا إن كنت ذا همةٍ فقد ... حدا بك حادي الشوق فاطوِ المراحلا

وقل لمنادي حبهم ورضاهم ... إذا ما دعا لبيك ألفًا كواملا

ولا تنظر الأطلال من دونهم فإن ... نظرت إلى الأطلال عُدنَ حوائلا

ولا تنتظر بالسير رفقة قاعد ... ودعه فإن الشوق يكفيك حاملا

وخذ منهم زادًا إليهم وسر على ... طريق الهدى والحب تصبح واصلا

وأحْيِ بذكراهم شراك إذا دنت ... ركابك فالذكرى تعيدك عاملا

وإما تخافنَّ الكَلال فقل لها ... أمامك ورد الوصل فابغي المناهلا

وخذ قبَسًا من نورهم ثم سر به ... فنورهمُ يهديك ليس المشاعلا

وحي على وادي الأراك فقل به ... عساك تراهم ثم إن كنت قائلا

وإلا ففي نعمان عندي مُعرِّف الـ ... أَحبة فاطلبهم إذا كنت سائلا

وإلا ففي جَمْع بليلته فإن ... تفُت فمنى يا ويح من كان غافلا

وحي على جنات عَدْنٍ فإنها ... منازلك الأولى بها كنت نازلا

ولكن سَباك الكاشحون لأجل ذا ... وقفت على الأطلال تبكي المنازلا

وحي على يوم المزيد بجنة الـ ... خلود فجد بالنفس إن كنت باذلا

فدعها رسومًا دارسات فما بها ... مقيل وجاوزها فليست منازلا

رسومًا عفت ينتابها الخلق كم بها ... قتيل وكم فيها لذا الخلق قاتلا !

وخذ يمنة عنها على المنهج الذي ... عليه سرى وفد الأحبة آهلا

وقل ساعدي يا نفس بالصبر ساعة ... فعند اللقا ذا الكد يصبح زائلا

فما هي إلا ساعة ثم تنقضي ... ويصبح ذو الأحزان فرحان جاذلا

لقد حرك الداعي إلى الله وإلى دار السلام النفوس الأبية، والهمم العالية، وأسمع منادي الإيمان من كانت له أذن واعية، وأسمع الله من كان حيًا فهزه السماع إلى منازل الأبرار، وحدا به في طريق سيره، فما حطت به رحاله إلا بدار القرار، فقال -صلى الله عليه وسلم-:

(انتدب الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا إيمان بي وتصديق برسلي أن أرجعه بما نال من أجر أو غنيمة، أو أدخله الجنة، ولولا أن أشق على أمتي ما قعدت خلف سرية، ولوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا، ثم أقتل ثم أحيا، ثم أقتل) .4

وقال: (مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله، لا يفتر من صيام، ولا صلاة، حتى يرجع المجاهد في سبيل الله، وتوكَّلُ اللهُ للمجاهد في سبيله بأن يتوفاه أن يدخله الجنة، أو يرجعه سالمًا مع أجر أو غنيمة) .5

وقال: (غدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها) .6

وقال فيما يروي عن ربه -تبارك وتعالى-: (أيما عبد من عبادي خرج مجاهدًا في سبيلي وابتغاء مرضاتي، ضمنت له أن أرجعه إن أرجعته بما أصاب من أجر أو غنيمة، وإن قبضته أن أغفر له وأرحمه وأدخله الجنة) .7

وقال: (جاهدوا في سبيل الله، فإن الجهاد في سبيل الله باب من أبواب الجنة، ينجي الله به من الهم والغم) .8

وقال: (أنا زعيم -والزعيم الحميل- لمن آمن بي وأسلم وهاجر ببيت في ربض الجنة، وببيت في وسط الجنة، وأنا زعيم لمن آمن بي وأسلم وجاهد في سبيل الله ببيت في ربض الجنة، وببيت في وسط الجنة، وببيت في أعلى غرف الجنة، من فعل ذلك لم يدع للخير مطلبًا، ولا من الشر مهربًا، يموت حيث شاء أن يموت) .9

وقال: (من قاتل في سبيل الله فَواق ناقة10 فقد وجبت له الجنة، ومن سأل الله القتل في سبيل الله من نفسه صادقًا ثم مات أو قتل فإنه له أجر شهيد، ومن جرح جرحًا في سبيل الله أو نكب نكبة فإنها تجيء يوم القيامة كأغزر ما كانت، لونها لون الزعفران، وريحها ريح المسك، ومن خرج به خُراج في سبيل الله كان عليه طابَِع الشهداء11) .12

وقال: (إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة) .13

وقال لأبي سعيد الخدري: ( يا أبا سعيد: مَن رضي بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا وجبت له الجنة) فعجب لها أبو سعيد! فقال: أعدها عليَّ يا رسول الله، ففعل، ثم قال: رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (وأخرى يرفع الله بها العبد مائة درجة في الجنة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض) قال: وما هي يا رسول الله؟ قال: (الجهاد في سبيل الله) .14

وقال: (من أنفق زوجين في سبيل الله دعاه خَزَنةُ الجنة، كلُّ خزنةِ باب: أي فلان هَلُمَّ، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان) فقال أبو بكر: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ما على من دُعي من تلك الأبواب من ضرورة، فهل يدعى من تلك الأبواب كلها؟ قال: (نعم، وأرجو أن تكون منهم) .15

وقال: (من أنفق نفقة فاضلة في سبيل الله فبسبعمائة، ومن أنفق على نفسه وأهله، وعاد مريضًا، أو أماط الأذى عن طريق فالحسنة بعشر أمثالها، والصوم جنة ما لم يخرقها، ومن ابتلاه الله في جسده فهو له حِطَّة) .16

وقال: (من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار) .17

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت