الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد:
فإن الله قد فرض على عباده فرائض عديدة، واختصهم بمزايا سامية، وإعطائهم فضائل مرتفعة راقية، ومواسم وأيام شريفة مباركة، يباهي بهم فيها ملائكته، ويستجيب لهم فيها دعائهم ويعطي كل سائل مطلبه، ومن هذه المواسم والأيام المباركة يوم عرفة والذي سنتطرق للحديث عنها فنقول وبالله وحده نستعين:
بعض فضائل يوم عرفة:
إن ليوم عرفة مزايا عديدة، وفضائل كثيرة، فهو يوم عظَّمه الله، ورفع قدره، وجعل الوقوف في ذلك اليوم ركنًا من أركان الحج؛ بل الحج كله، وإليك بعضًا من فضائله:
1.أن الله قد أقسم به: ومن المعلوم أن العظيم لا يقسم إلا بعظيم، وعلى أمر عظيم، قال الله - تعالى-: {وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ} سورة الفجر (3) قال ابن عباس - رضي الله عنه:"الوتر يوم عرفة، والشفع يوم الذبح"، وهو قول عكرمة والضحاك، وهو اليوم المشهود الذي قال الله فيه: {وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } سورة البروج (3) ، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ( اليوم الموعود يوم القيامة، واليوم المشهود يوم عرفة، والشاهد يوم الجمعة، وما طلعت الشمس ولا غربت على يوم أفضل منه؛ فيه ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يدعو الله بخير إلا استجاب الله له، ولا يستعيذ من شر إلا أعاذه الله منه) 1.
2.أنه يوم عيد لأهل الموسم؛ فعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أن رجلًا من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين آية في كتابكم تقرؤونها لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا!! قال: أي آية؟ قال: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا} (3) سورة المائدة. قال عمر: قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو قائم بعرفة يوم جمعة"2 قال ابن حجر - رحمه الله:"التنصيص على أن تسمية يوم عرفة يوم عيد"، وقد نقل الكرماني عن الزمخشري أن العيد هو السرور العائد، وأقر ذلك فالمعنى:"أن كل يوم شرع تعظيمه يسمى عيدًا"3، وقال ابن رجب - رحمه الله - في لطائف المعارف ما معناه:"أن العيد موسم الفرح والسرور، وأفراح المؤمنين وسرورهم في الدنيا إنما هو بمولاهم إذا فاز وبإكمال طاعته، وحازوا ثواب أعمالهم بوثوقهم لهم عليها مغفرته: {قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} سورة يونس (58) ، فالغافل يفرح بلهوه وهواه، والعاقل يفرح بمولاه"4."
3.أن الله أخذ فيه الميثاق؛ فعن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم بنعمان - يعني يوم عرفة -، وأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها فنثرهم بين يديه كالذر، ثم كلمهم قُبلًا قال: {أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} إلى يقوله: {بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ} سورة الأعراف(172-173) 5.
4.أن الله يباهي بأهل عرفات ملائكته، ويعمهم بالرحمة والغفران؛ فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (إن الله يباهي بأهل عرفات أهل السماء فيقول لهم: انظروا إلى عبادي هؤلاء جاءوني شعثًا غبرًا) 6، قال المناوي - رحمه الله - في المطامح:"وذا يقتضي الغفران وعموم التكفير؛ لأنه لا يباهي بالحاج إلا وقد تطهر من كل ذنب، إذ لا تباهي الملائكة وهم مطهرون إلا بمطهر"7، وعن عائشة - رضي الله عنها - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبيدًا من النار من يوم عرفة، وإنه يدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء) 8.
5.أن الدعاء فيه مستجاب: فعن طلحة بن عبيد الله بن كريز أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك) 9.
1.أن من صامه إيمانًا واحتسابًا فإن الله يكفر بذلك ذنوب سنتين؛ فعن أبي قتادة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عن صوم يوم عرفة فقال: (يكفر السنة الماضية والباقية) 10.
2.أن الله جعل الوقوف بعرفة ركن من أركان الحج بل هو أهمهما فقد قال - صلى الله عليه وسلم: (الحج عرفة) 11 قال ابن رشد:"أجمعوا على أنه ركن من أركان الحج، وأن من فاته فعليه حج قابل"12، وقال ابن قدامة المقدسي:"والوقوف ركن لا يتم الحج إلا به إجماعًا"13.
أمور ينبغي فعلها للحاج وغيره:
1.الإكثار من شهادة التوحيد بإخلاص وصدق، فإنها أصل دين الإسلام الذي أكمله الله - تعالى- في ذلك اليوم وأساسه، فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: (خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا النبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيءٍ قدير"14، وتحقيق التوحيد يوجب عتق الرقاب، وعتق الرقاب يوجب العتق من النار؛ كما ثبت في الصحيح عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:(من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على شيء قدير. في يوم مئة مرة كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مئة حسنة، ومحيت عنه مئة سيئة، وكانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك) 15."
2.الإكثار من الدعاء بالمغفرة والعتق من النار: فقد روى ابن أبي الدنيا بإسناده عن علي قال: ليس في الأرض يوم إلا لله فيه عتقاء من النار، وليس يوم أكثر فيه عتق للرقاب من يوم عرفة، فأكثر فيه أن تقول: اللهم أعتق رقبتي من النار، وأوسع لي من الرزق الحلال، واصرف عني فسقة الجن والإنس، فإنه عامة دعائي اليوم.
3.التوبة الصادقة فإن الله - تعالى- يقول: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} سورة النور (31) ، ويقول - تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} سورة التحريم (8) ، والتوبة واجبة في كل وقت إلا أنها في الأوقات الفاضلة آكد وأوجب، والإصرار على الذنب سبب للحرمان من الغفران ورضا الرحمن فقد روى ابن أبي الدنيا وغيره: أن رجلًا رأى في المنام أن الله قد غفر لأهل الموقف كلهم إلا رجلًا من أهل بلخ فسأل عنه حتى وقع عليه، فسأله عن حاله فذكر أنه كان مدمنًا لشرب الخمر فجاء ليلة وهو سكران فعاتبته أمه وهي تسجر تنور، فاحتملها فألقاها فيه حتى احترقت.
4.الإكثار من فعل الخيرات، وبذل المعروف والإحسان إلى الناس، فإن العمل الصالح يضاعف أجره في الأوقات الفاضلة، وكذا العمل القبيح الفاسد يضاعف عقاب فاعله في الأيام الفاضلة.
أمورٌ ينبغي فعلها لمن لم يكن حاجًا:
إضافة إلى ما سبق فإنه ينبغي لغير الحاج عمل ما يلي: