والقوم في دفاعهم المشبوه هذا يذهبون إلى أبعد من هذا في تحميل المسلمين مسؤولية الأحداث، وأن السبب في استفحال الأمر عدم كفاءة القيادات الإسلامية بالدانمارك في معالجة المشكلة بالأساليب القانونية، وفشلهم في رفع الدعاوى القضائية (2) ، وكأن المسكين لا يعلم أن المسلمين هناك قد بذلوا الجهد في إيصال صوتهم لكنهم قوبلوا بالغطرسة والعنجهية الدانماركية، هذه الغطرسة التي تأبى على القوم تقديم الاعتذار الصريح مع التصعيد الحاصل؛ فكيف ولمّا يتم التصعيد؟ إن طلب المسلمين ـ يا أستاذ ـ برفع القضية قد رُفض، بل رفض رئيس الوزراء الدانماركي استقبال السفراء العرب، لقد سدت الأبواب، وأغلقت المنافذ، وهُمّش المسلمون؛ فكيف يحملون تبعة هذه الجريمة يا فهيم؟
وأطرف من هذا وأغرب ما سطره آخر زاعماً أن جميع ما يرى من أحداث إنما هو بتدبير جماعات ذات صلة بتنظيم (القاعدة) ! إي والله! وذلك لتعكير أجواء الصفاء بين العالم الإسلامي والعالم الغربي، ولئلا يقال متقوّل أو مفتر أسوق هذا النص لأحدهم بحروفه يقول: (وتقول مصادر مخابرات أوروبية، وبلد إسلامي أفريقي أنها حذرت بلداناً الإسلامية من خطة يدبرها «ناشطون دانماركيون» مع «منظمات سرية» يحتمل اختراقها من القاعدة، تهدف لصدام بين الغرب والمسلمين، وهو من أهداف زعماء الإرهاب، أسامة بن لادن وأيمن الظواهري، وبدلاً من أن تأمر الحكومات الإسلامية مخابراتها بالتحقيق في مصادر تمويل حملة «أئمة كوبنهاجن» وصلاتهم بالإخوان والطالبان وجماعات تخريب أخرى تعمل في الظلام، استغل بعضها الأزمة لصالح أجندتهم السياسية) (3) ، أرأيتم كيف يتم الاستغفال، وتمرر الأكاذيب، وتنشر الشائعات؟ ألم أقل لكم إن الخطب جلل، وإن الأمر صعب، وإن الأحداث قد آذت أهل هذا التيار، فولجوا هذا السبيل، وسلكوا هذا الطريق، لعلهم يثوِّرون في سماء الحقيقة الغبارَ، أو يغطون شمسها عن الأبصار، لكن للناس عقول، ولعل عقول القوم في إجازة.
ومن غريب ما يعتذر به القوم عن الإساءة الواقعة، وما يقدمونه من تبريرات، الزعم بأن ما وقع من سخرية واستهزاء عائد إلى طبيعة الدانماركيين المتفلتة، وهوسهم بالتحرر والانطلاق، وعشقهم لحرية التعبير، مع عدم التدين، وعدم الإيمان، وأنه ليس ثمة حقد مزعوم، ولا عداوة متوهمة، ولا قضية بينهم وبين رسولنا -صلى الله عليه وسلم-، فلا ينبغي أن تُضخَّم المسألة، وأن تُخرَج عن هذا السياق؛ فالأمر لا يعدو أن يكون سوء تفاهم، وعدم تقدير للعواقب ليس إلا، وأن إخراج القضية عن هذا الإطار تصعيد لا مصلحة فيه، بل هو تصعيد مقصود لأهداف تحتية، ومصالح شخصية، ومكاسب فئوية (4) ، بل إثارة الموضوع أصلاً وإخراجه من الصعيد المحلي الدانماركي ليكون شأناً عالمياً غير صحيح، وأن الواجب محاسبة المسؤولين عن هذه (الشوشرة العالمية) (5) التي لا فائدة فيها، ولا أدري لِمَ التغابي عما وقع، ولِمَ التعامي عما حدث، ولِمَ لا ينصف القوم ويُقرون بالحقائق كما هي بموضوعية وعدل، وينظرون فيما يجري على الأرض كما هو، لا أن يسعوا في ليّ عنق الأحداث لأفكار مسبّقة، ويحمِّلوا الواقع ما لا يحتمل. ما نُشِر إساءةٌ، وما نُشِر دليل على صورة نمطية سلبية للإسلام، وما نُشِر ينمّ عن عداوة مستقرة في النفوس، هكذا هو الأمر ببساطة ومن غير تعقيد، وبالله عليكم مَنْ نظر في تلكم الصور الآثمة هل يظن في راسمها أنه محب للنبي -صلى الله عليه وسلم- أو على الأقل محايد في نظرته إليه أم أنه مبغض له معادٍ؟ ألم يصوروه مرتدياً عمامة على صورة قنبلة إشارة إلى دمويته، وأنه لا يعدو أن يكون إرهابياً، والإرهابي عدو؟ ألم يصوروه بصورة قبيحة حاملاً في يده خنجراً كأنه جزار ومن خلفه امرأتان منقبتان؟ بل صوروه بما هو أقبح وأشنع؛ بأبي هو وأمي -صلى الله عليه وسلم-. أهكذا يصورون نبينا -صلى الله عليه وسلم-، ثم يأتي من يزايد علينا، ويريد إقناعنا بأنه ليس ثمة عداوة ولا حقد ولا كراهية ولا شحناء؟! إن في هذا الاستهزاء المشين بمقام نبينا الأمين لدليل على قبيح ما يضمرونه حيال نبينا وديننا، وفي تصريحاتهم وكلماتهم ومواقفهم ما يدل على أن الأمر ليس تسلية بريئة، أو تجاوزاً ينبغي أن يتغاضى عنه، كلاَّ، إنه خطأ، وإنه اعتداء، وإنه جريمة لا ينبغي السكوت عليها، فأقصروا عن التبرير والمدافعة، وانأوا بأنفسكم عن السقوط في هذه الهوة؛ فإنها سقطة يوشك أن لا تقوموا بعدها؛ فالناس تحفظ، والتاريخ يسجل، ولا مخرج لكم إلا إعلان البراءة مما سطرتموه، ولعل وعسى.