أما دعوة الأمة إلى التغافل عن حجم المأساة، والإعراض عن عظم الجريمة، وفتح أبواب التسامح والمسامحة للمخطئين، وأن يقتصر النقد ـ إن كان ـ على الكلمة الطيبة، والعبارة اللينة، والأسلوب الهادئ، من غير جرح شعور ولا إيلام، وكأن الأمة هي الجانية لا المجني عليها، وكأننا مَنْ ظَلَمْنا لا من ظُلمنا، وكأن الاعتداء واقع منا لا بنا؛ فليس بصحيح ولا مشروع، بل بَذْلُه والحالة هذه مناقضة لمثل قوله ـ تعالى ـ: {وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} [العنكبوت: ] ، والقوم ظالمون ما في ذلك من شك.
إن التسامح المشروع لا يكون إلا إذا صادف محلاً مناسباً، وإن أولئك المستهزئين بمقامه -صلى الله عليه وسلم- ليسوا موضعاً صالحاً للتسامح، وإن التسامح مع أولئك المجرمين جريمة شرعية لا يجوز أن يكون بحال، وليس للأمة الحق في التنازل عن حقه الشريف -صلى الله عليه وسلم- تحت لافتة التسامح والمسامحة، وليت شعري أي عيش يبقى وأي حياة تطيب يوم يمس جناب النبي -صلى الله عليه وسلم- والأمة تقف موقف المتفرج المتسامح، المتغاضية عن صفعات الخصوم، والتي لا تطالب بحقها، فإن طلبته فعلى استحياء؟ إن إجماع الأمة عامة منعقد على حرمة التسامح مع من سبّ النبي -صلى الله عليه وسلم-، وما قال عالم ولا شبه عالم بمثل ما يريده هؤلاء منا، وفي كتاب «الصارم المسلول على شاتم الرسول» لشيخ الإسلام ابن تيمية عظة وعبرة.
والقوم بدعوتهم للتسامح والتغافر والتجاوز عن الإساءة يلملمون ما تبقى من مشروعهم الخاسر (التقارب والتقريب بين المسلم والكافر) تحت شعارات التعايش والتسامح والسلام، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من مخطط إلغاء عقيدة الولاء والبراء، وهم معذورون فيما يفعلون، فالخطب جلل، والأمر عظيم، والأحداث تجري على خلاف الهوى والمخطط، فليس لهم إلا هذا المركب الصعب ليركبوه ولعل وعسى. لقد ظهر للجميع حقيقة حال (الآخر) ! منا، واستبان للناس مدى الاحترام الذي تكنّه صدروهم وقلوبهم لنا ولديننا، وأن الأحقاد الصليبية لا تزال تتسكع على الجسد الأوروبي، وأن النظرة السلبية للمسلمين لا زالت المسيطرة على المشهد الغربي، وأنهم لا زالوا يعانون من عقدة (الإسلاموفوبيا) ، وأقوال عقلائهم ومنصفيهم شاهدة بهذا وما أكثرها! وتاريخ الأمة السابق وواقعها المعاش خير شاهد، وإن تغافل عن هذا كله المستغربون ولجوا وجعجعوا. بالله عليكم! أي حقد وبغض أظهر مما وقع وجرى حيال نبي أمة المليار مسلم؟ وأي طعنة أنفذ وأنكى من هذه الطعنة؟ وأي إهانة وصفعة وركلة أشد من هذه الإهانة؟ ثم يكبر على أولئك الظالمين بعد هذا كله أن يقدموا كلمة (اعتذار) ؛ فكيف بما فوقه؟ وقد اتضح للجميع أن مقام نبينا -صلى الله عليه وسلم- وأمته من بعده لا تساوي عندهم شيئاً في مقابل حقهم ـ المزعوم ـ في ممارسة حرية التعبير، وإن فيما نرى من تسارع محموم لنشر صور الإفك هذه، وذلك التعاضد والتناصر الذي يُرى، والتصريحات العدائية التي نتلقاها عن اليمين والشمال لدلالة على أن الأمر أكبر مما نظن، وأنه أوسع دائرة مما نحسب، وصدق الله القائل: {قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ} [آل عمران: 118] .
من غرائب المواقف المثبَتَة على هذا التيار تبرير ما وقع من اعتداء، والاعتذار عما حصل من إساءة، والمدافعة عن المجرمين المعتدين، في محاولة لامتصاص الغضب والتهدئة، وذلك بمختلف التبريرات، وأنواع الاعتذارات؛ فبعضهم (1) يصرح بأن المسلمين هم السبب فيما وقع، على قاعدة «لعن الله من لعن والديه، يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أم الرجل فيسب أمه» ! فما وقع من اعتداء على جناب النبي -صلى الله عليه وسلم- حلقة في سلسلة من الاعتداء المتبادل والذي انتهى إلى ما انتهى إليه، هكذا والله يسطرون، وهكذا يحمّلون أهل الإسلام تبعة ما جرى، ويجري، وكأنهم ليسوا منا، وكأنهم الناطق الرسمي باسم المعتدين، إنهم بمنطقهم الغريب هذا يقلبون الطاولة على أهل الإسلام فيجعلونهم معتدِين بعد أن كانوا مُعتدَى عليهم، ويُظهرونهم في مظهر الظالم بدل أن يكونوا مظلومين، و (البادي أظلم) ! إن الدعاوى من أسهل الأمور، ووضع (السيناريو) على حسب المزاج من أيسر الأشياء، لكن الصعب تقديم الأدلة، ووضع البراهين، وسياق الحجج، وإلا فليخبرونا عن هذا المسلسل المزعوم في الدانمارك والذي أدى إلى ما نرى ونسمع: متى ابتدأ، وكيف كانت حلقاته، وأين مجال الاعتداء من الطرف الإسلامي الذي استفز مخالفيه فقالوا ما قالوا، وأقدموا على ما أقدموا عليه؟ فإن عجزوا وخرجوا من هذه صفر اليدين ـ وإنهم لخارجون بها ـ فسقطة تستدعي تراجعاً وأوْبة، ولا يخفى أن المسألة أعمق غوراً من مجرد التهارج والجهل بين فئات محدودة من هنا وهناك كما يظهر لكل ناظر في مسلسل الأحداث.