وفي غمرة اللقاء الحار بين الأم ورضيعها الأمين .. سألها عن حالها، فراحت تشكو إليه قسوة الحياة والجدب الذي نزل ببادية بني سعد، ثم شكت ضيق العيش، ومرارة الفقر، فأفاض عليها من كرمه، ثم حدّث زوجه خديجة بما ألمّ بمرضعته من ضيق فتدفقت كنوز فؤاد خديجة بالعطف والرحمة ..
فعادت حليمة إلى باديتها بأربعين رأسًا من الغنم وبعيرًا يحمل الماء، وزاد ترجع به إلى أهلها.
هكذا.. كانت خديجة قبل الإسلام وبعده تبذل مالها إرضاءً لربها وزوجها، فماذا تعني أربعين من الغنم في سبيل إرضاء زوجها، وبحثًا عما يحب وصلة لمن يحب، ولما رأت حبه لمولاه زيد بن حارثة وهبته إياه.
ورزق النبي صلى الله عليه وسلم منها الولد فولدت له زينب فرقية فأم كلثوم ثم سيدة نساء الجنة أم الحسنين فاطمة رضي الله عنهن أجمعين ثم القاسم ثم عبد الله.
وكان عليه الصلاة والسلام حببت إليه الخلوة فكان يخلو بغار حراء شهرًا كاملاً من كل سنة يتعبد، ومكث على ذلك الحال ما شاء الله له أن يمكث.
ثم جاءه جبريل عليه السلام بالرسالة من السماء وهو بغار حراء في شهر رمضان، وكان معه ما كان من أمر الوحي، ثم انطلق يلتمس بيته في غبش الفجر خائفًا يقول: (( زملوني، زملوني، دثروني، دثروني ) )..
واستوضحت خديجة رضي الله عنها منه الخبر، فقال: (( يا خديجة لقد خشيت على نفسي ) )، عندها لم تزد خوفه رعبًا، ولا غمه همًا، بل قالت قولتها المشهورة التي تبقى على مر العصور والأيام مثالاً ومنهاجًا لثبات السائرين إلى الله تعالى ..
قالت: كلا، والله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكلَّ، وتُكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق.
فاطمأن فؤاد الحبيب صلى الله عليه وسلم، وسريَ عنه بهذه الكلمات الحانية، والعبارات الصادقة.
ثم انطلقت به إلى ابن عمها ورقة بن نوفل وكان قد تنصر فأخبرته الخبر فقال: هذا الناموس الذي نزل الله على موسى. أخرجاه في الصحيحين.
حينها لم تتلكأ خديجة ولم تتأخر في أن تؤمن بوحي الله، وتصدق برسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت أول المؤمنين لتحوز قصب السبق في الإسلام والتصديق.
قال الإمام البيهقي في الدلائل: إن أول من أسلم من هذه الأمة خديجة بنت خويلد، وقال ابن الأثير: خديجة أول خلق الله إسلامًا بإجماع المسلمين، لم يتقدمها رجل ولا امرأة.
وبدأت الدعوة إلى الله، وسام المشركون رسول الله ومن معه من المؤمنين أصناف العذاب والتكذيب.
فكانت نعم المرأة صابرة محتسبة، وها هي تودع فلذة كبدها رقية رضي الله عنها زوج عثمان رضي الله عنه مهاجرة إلى الحبشة، وهي تكفكف دموعها الحرى، وتتجلد وتتصبر، فعندها، وفي قاموسها، فراق الأبناء ومهج القلوب يهون ما دام في مرضاة الله ونصرة دينه.
ولهذا وغيره حازت من الفضل ما لم تحزه امرأة غيرها ..
روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة قال: (( أتى جبريل عليه السلام النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، هذه خديجة قد أتتك بإناء فيه إدام وطعام وشراب، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها ومني ) ).
زاد الطبراني: قالت خديجة: (هو السلام، ومنه السلام، وعلى جبريل السلام) .. وهذه لعمر الله خاصة لم تكن لسواها ..
بل هل سمعتم عن امرأة تسير على الأرض وهي من أهل الجنة.. إنها الصديقة خديجة، جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (( بشر خديجة ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب ) ).
فرضي الله عنها وأرضاها .. هل كان لأنثى غيرها أن تجهز للنبي عليه السلام الجو المعين على التأمل، وأن تبذل له نفسها في إيثار نادر وتهينه لتلقي رسالة السماء ..؟
هل كان لزوج عداها أن تستقبل دعوته التاريخية من غار حراء بمثل ما استقبلته هي به من حنان مستثار وعطف فياض وإيمان راسخ، دون أن يساورها في صدقه أدنى ريب، أو يتخلى عنها يقينها في أن الله غير مخزيه أبدًأ ..؟
هل كان في طاقة سيدة غير خديجة، غنية مترفة منعمة، أن تتخلى راضية عن كل ما ألفت من راحة ورخاء ونعمة لتقف إلى جانبه في أحلك أوقات المحنة وتعينه على احتمال أفدح ألوان الأذى وصفوف الاضطهاد في سبيل ما تؤمن به من الحق ؟ ... كلا ..
بل هي وحدها التي منّ الله عليها بأن ملأت حياة الرجل الموعود بالنبوة سعادة وصبورًا.
بارك الله لي ولكم ....
الخطبة الثانية
وأعلنت قريش مقاطعتها للمسلمين لتحاصرها سياسيًا واقتصاديًا، وسجلت مقاطعتها في صحيفة علقت في جوف الكعبة.
وحوصر المسلمون في شعب أبي طالب، فدخلت الطاهرة المطهرة مع رسول الله والمسلمين الشعب، ومرت الأيام، ودار الحول تلو الحول، ومضت ثلاث سنوات عجاف على المسلمين ..
كانت أيامهم فيها أيام شدة وضيق، وصبروا صبر الكرام لهذه المحنة العظيمة.. حتى فرّج الله عنهم.
ولكن أُمنا خديجة رضي الله عنها لم تلبث إلا قليلاً بعد الخروج حتى ذبلت ودبَّ الوهن في جسدها الطاهرة ..